هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.


في هذه الصورة يظهر من اليمين الأخ أحمد بن مشهور المشهور والأخ أحمد بن حامد الغامدي، يجلسان جنباً إلى جنب، يمسكان بعصيّ الكبر كرمز للأناقة والهيبة في هذا السن. ملامحهما تفيض بالوقار، ونظراتهما تحكي عن رحلة عمر مليئة بالكفاح والعطاء.
منذ أن غادرا بلاد حوالة – منطقة الباحة- في الستينيات الميلادية إلى الرياض، وهما يحملان الطموح والإصرار. أبو عبد الله (بن مشهور) اختار مسار العمل الحكومي، بدأ من وظيفة بسيطة ثم ارتقى إلى مواقع قيادية متنقلاً بين وزارة المواصلات وكلية الملك عبد العزيز الحربية. وأبو محمد (بن حامد) اختار القطاع الخاص، فبدأ في ورشة سيارات بشارع الريل ثم أصبح علَماً في مجال دهانات السيارات ووكيل علامات تجارية بارزة في المملكة.
رجال عصاميون بنوا أنفسهم وأسرهم، وأثمر جهدهم أبناءً يواصلون خدمة الوطن في ميادين متعددة.
الأحمدان بهذا المشهد ليسا مجرد صورة، بل ذاكرة حيّة وقصة نجاح تلهم الأجيال بالصبر والمثابرة والكرامة.



الشرقية في وجداني
المنطقة الشرقية، تلك البقعة الساحرة التي تُبهر من يراها أول مرة، وتغرس في داخله عشقاً لا ينفكّ. هي حبّ حتى الثمالة، حبّ يمتزج بالتراب والهواء والناس.
سقط رأسي أول مرة في أبقيق، ثم غادرتها طفلاً في الثالثة من عمري مع أسرتي إلى الرياض. وبعد خمسة عشر عاماً، ساقني القدر إليها من جديد، في رحلة مدرسية إلى جامعة البترول والمعادن، فكانت أيّام قليلة لكنها غيّرت داخلي الكثير. في تلك الزيارة تعرّفت على أبناء العمومة، وجلست مع الأحبة مثل عزيز بن سعد الله بن عثمان العثمان، ومع الراحل الكريم علي بن عبد الله الغانم رحمه الله. أمضينا أوقاتاً بين الخبر والدمام، فزادني ذلك التصاقاً بالشرقية، حتى شعرت أنني لم أغادرها يوماً.
لم تمضِ سوى أشهر قليلة حتى عدت إليها طالباً جامعياً، فانتقل رحالي إليها، وعشقت هواءها وناسها وشواطئها. لهوت على ساحل الخليج في الخبر، وانسجمت مع بساطة الدمام، وتذوّقت حلاوة تمر القطيف وسوقها الشعبي، وعرفت طيب أهل صفوى وسيهات وشموخ قلعة دارين. تعلمت الانضباط من رأس تنورة، ووقفت على قيمة الجبيل في قلب الوطن. كما تولعت بطيبة أهل الأحساء وكرمهم وحسن ضيافتهم.
الشرقية جعلتني مغرماً بساحلٍ تنام على رماله أجمل المدن، ويستيقظ أهلها على كرمٍ لا ينضب. أحببتها، واخترت الجبيل موطناً لرزقي ومرتَعاً لسنوات حياتي الباقية.
هي عشقٌ لمن لم يعرف بعد حبّ الحبيب، وهي بطاحٌ وروابي تُبدّد عن القلب الوحشة. ربيعها جمال، وصيفها بالرطب نشتاق إليه، وشتاؤها يزهو بخزاما الأرض وخضرتها. وإذا حنّ الفؤاد، عانق تراب النعيرية والفاضلي، وصعد إلى تلالها حيث الشمس تمنح دفئها، والقمر يسامر القلب بأنسه.
الصورة المرفقة تحكي زيارتي الأولى إلى الدمام في ريعان الشباب، بعد أن تركتها طفلاً لا يدرك قيمة التراب الذي وُلد عليه. وعندما عدت إليها فتىً، عرفت أن رأسي قد لامس هذه الأرض أولاً، وأن قدمي قد عادت إليها شامخة. وليعذرني من يحب كل تراب الوطن إن قلت إن للمنطقة الشرقية سحراً خاصاً، سحراً يتجاوز حدود الانتماء إلى بوحٍ لا ينطفئ .


عصافير وأجراس البرج
أجلسُ مع نفسي: أفكّرُ بعمقٍ ثم أتراجع، ثم تنهضُ فيّ نيّةٌ لقطعِ البثّ الواتسابي، لستُ قاطِعًا فورًا، لكنّ قلقي أنّ الجهدَ لا يُباعُ لمن لا رسولَ له؛ لمن لا يتفحّصُ فواتيرَ الصرف المكتوبة.
إلى الحيُّ البعيدٌ — إشارةُ البثِ قد تصلُ متأخّرة، ومع ذلك هناك من يفتحها، يقرأها، وفيه من ينصفُ الرسالةَ بامتدادِ نظرٍ هادئ.
في الحي القريب — أبراجٌ كثيرةٌ تطالعُ السماء، لكنها خاملة؛ وبعضُها مقطوعٌ فيه الأليافُ، كأنّ الكلامَ عالقٌ خلفَ أسلاكٍ غير مُوصولة.
هو — هناك — يخجلُ من أن يظهرَ أمام من في قائمته؛ يغلقُ عينهُ أمام رنةِ العصفورِ الصغيرةِ، ويكتمُ جرس المعبدِ الكبير.
كنتُ أظنُّ أنّ المللَ هو سببُ صمته؛ فبدّلتُ الطرق: أدخلتُ العصافير قفصها، وحطّمتُ الأجراسَ حتى لا تزعجه قرعها.
الآن أسألُه بصراحةٍ بلا غموض: بعد ذلك، هل ارتحت؟


كذا وكذا
جملةٌ يردّدها البعض عند مواجهة أسئلة بسيطة مثل: “ليش ماترد؟”، “ليش ماتبتسم؟” أو “ليش ماتتكلم؟”، وغيرها من المواقف التي تستدعي تفاعلاً عفوياً. فيأتي الجواب: “والله أناما أحب كذا وكذا..!”
لكن خلف (كذا وكذا) يقف تساؤل: هل هو انعدام إحساس؟ أم كبت للتفاعل خشية الملامة؟ الحقيقة أن (كذا وكذا) لا تعبّر عن شجاعة الحوار ولا عن التواصل الإنساني الرزين. فالإنسان المنتمي للإنسانية لا يفوّت اللحظات الجميلة بالتغافل أو التأجيل، لأن المشاعر المؤجّلة تموت غالباً في مقابر الانتظار وتذوب في صحارى الفراغ العاطفي.
لذلك، فأنا احرص على الردّ ولو بكلمة، حتى إن كان رائي مخالفاً أو بسيطاً. فمَن يسألني أو يبادرني بكلمة ودّ يستحق أن يجد مني أثراً. جمال الحياة يكمن في المبادرة وعدم تأجيل المقاصد؛ فكبت المشاعر ليس إلا نفاقاً مع النفس، ومعه تذبل الروح ويقسو القلب.
وانتبه ياصاحبي من (كذا وكذا) ..😉


مع أول قطرة زيت!
في ذلك اليوم اجتمعنا كرفاق دربٍ واحد بعد سنواتٍ من الخدمة المتواصلة، سنوات نضجنا فيها وتحوّل كلٍّ منّا إلى قائدٍ في مجاله. كنّا نلتقي تحت قيادة استثنائية، مع أفضل إدارة عليا مرّت على المصفاة (ساسرف): المهندس حامد السعدون رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي المهندس محمد العمير. كانوا رُبّان السفينة، ونحن مشغلوها وسواعدها.
تُوّجت تلك السنين بالكفاح والخبرة المتراكمة من عملاقين عالميين، أرامكو السعودية وشل العالمية، لنصبح عصارة ذلك المزيج الفني والإداري الفريد. اكتسبنا مهارات التشغيل والإدارة من أنظمة جديدة على المجتمع الصناعي: الرؤية والهدف، برامج الاعتمادية، إدارة المخاطر، نظام ساب، والمشاركة في تشكيل عالمي لمؤشرات التشغيل والصيانة.
لقد أرست هذه المجموعة أساسيات التشغيل المتقن وتطوير الأنظمة. واليوم، وإن خرجوا من الخدمة بتقاعدهم، فإنهم يظلون فخورين بالمرفق الذي احتضنهم؛ هم الذين أداروا أول أنبوب وأول نقطة زيت دخلت المعامل التي كانت أشبه بالغابة الواسعة، تنقل المشغل والفني بين وحداتها صباحًا ومساءً، كما يطير الطير في فضائه ويرعى الفلاح زرعه حتى يحين الحصاد عامًا بعد عام.
إنها ملحمة نفتخر بها جميعًا، ملحمة اسمها ساسرف، مصفاة البترول العتيدة التي ستظل شاهدة على جهدٍ لا يُنسى، وأثرٍ خالدٍ في الصناعة والذاكرة، والبركة في الباقين.


مذيع خانه التعبير !
اليوم في تغطية مباشرة من معرض الرياض الدولي للكتاب ليومه الأول عبر برنامج تفاعلكم على قناة العربية، اندفع المراسل بحماسه ليصف أجواء المعرض ويدعو المذيعة سارة دندراوي والمشاهدين إلى الحضور والاستمتاع بالفعاليات. لكن حماسه الكبير خانه التعبير؛ إذ بدا وكأنه يتحدث إلى نفسه أو إلى دائرة ضيقة من أقاربه، لا إلى جمهور عريض يشاهده من كل مكان.
وعندما طلبت منه الأستاذة سارة نصيحة إرشادية للزوار، جاء رده مضطرباً، إذ نصح الحاضرين بأن ينتظروا حتى الأيام الأخيرة للاستفادة من خصومات الناشرين، وهو ما بدا متناقضاً مع دعوته للحضور المبكر والاستمتاع بالأجواء. ردّ المذيعة كان ذكياً ولطيفاً بابتسامة عابرة: كيف ترشد وأنت قلت العكس؟، ليكشف الموقف عن مفارقة أحرجت المراسل أمام ملايين المتابعين.
الدرس هنا أن المذيع أو المراسل ليس مجرد ناقل حماسي للأجواء، بل هو صوت رسمي يتحدث إلى العالم، مسؤول عن كل كلمة تخرج على الهواء. الميكروفون لا يرحم زلات التعبير، والبث المباشر لا يمنح فرصة للمراجعة. لذلك فإن الإعداد الذهني وضبط اللغة أهم من اندفاع الحماسة. فالكلمة على الهواء رسالة، وليست هوى عابر.


علبة الري الطائرة!
كل صباح جمعة، يحضر منظّف حوش بيتي، رجل أمين وملتزم، عرف تفاصيل عملياته معي عن ظهر قلب منذ أن بدأ العمل. وبينما أنا أثق به وأرتّب شؤوني على نظامه، وجدت نفسي أمام موقف طريف جعلني أتساءل: هل علبة الري البلاستيكية التي اشتريتها مؤخراً مجرد أداة لسقي المزروعات… أم مصباح علاء الدين السحري؟
قبل أسبوعين، اختفت العلبة الأولى من الحوش. اتهمت عامل المكيّف بأنه أخذها للتنظيف فوق السطح، لكنه نسيها هناك. ولأن السطح لا يمكن الوصول إليه إلا بـ”سلم القرد” – وأنا كسول بما يكفي لأتهرّب من صعوده – قررت شراء علبة جديدة.
لكن الطرافة بلغت ذروتها حين وضعت العلبة الثانية على كرسي حديدي عريض في الحوش، وهو الكرسي الذي اعتادت الخادمة أن تكدّس عليه كراتين المياه الفارغة يوم الجمعة ليحملها العامل إلى القمامة ( أكرمكم الله). وفي اليوم التالي… العلبة اختفت مجدداً!
سألت أسرتي فرداً فرداً، والجميع نفى. بدأت أتصور أنها “علبة مسكونة”، تطير من تلقاء نفسها كلما وطأت بيتي. لكن الأسرة بدورها شكت في العامل، واعتقدوا أنه رماها مع الكراتين ظناً منه أنها خردة.
راجعت الكاميرات بدقة: الرجل حمل كراتين المياه فقط، واحدة منها كانت ضخمة مقارنة بالبقية. اتصلت به، فإذا به يعترف بخجل: هو من رمى العلبتين خلال الأسبوعين الماضيين! ببساطة، كان يضعها داخل الكراتين ويرميها.
ضحكتُ رغم انزعاجه واعتذاره، وقلت له: “مسموح… وسعر العلبة لا يستحق جدالاً”. لكنه تعلم درساً: ما فوق الكرسي ليس للنفايات، خصوصاً يوم الجمعة. أما أنا، فبدأت أفكر بجدية في نقل الكرسي إلى مكان آخر، وترك الأرض الصلبة لتجميع ما وجب التخلص منه… بعيداً عن علب الري الطائرة!

كاريكاتير : زحمة الرياض

أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا 🌸
I wish you a blessed coming week 🌟
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.