هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.




حديث مساء مع أبو مازن
عادةً ما أتبادل المكالمات بشكل أسبوعي حسب ظروفنا مع الأخ الأقرب والصديق، ابن العم عثمان بن سعد الله (أبو مازن). نقضي ساعات المساء المتأخرة في الحديث عن أحوالنا، ونتناول بعض الموضوعات الطارئة، ونخوض أحيانًا في مناقشة قضايا اجتماعية ورياضية نُسهب فيها حديثًا ونقاشًا، ما بين الإيجاب والنقد.
هذا الأسبوع تطرّقنا – أنا وأبو مازن – إلى موضوع حفلات الزواج المباركة، تلك التي نفرح لها ونسعد بسعادة أهلها. تحدّثنا عن أن حضور الزواج بات مسألة يسبقها كثير من التفكير: ماذا نرتدي؟ أين تقع القاعة؟ كيف سنجد موقفًا في ظل الزحام؟ ثم تأتينا ترتيبات العائلة واحتياجات المناسبة لنظهر بصورة حسنة لائقة.
العائلة بطبعها تفرح بمناسبات الزواج؛ فهي فرصة للقاء الأحبة بعد طول انقطاع فرضته ظروف الحياة. ولا شك أن التواصل في الأزمنة الماضية كان أيسر، فزيارات المنازل كانت عادة يومية؛ لقاءات الضحى والعصرية كانت تجمع القريب والجار بدون حاجة لمناسبة. أما اليوم فقد تغيّرت أحوال الناس، وانخفضت الزيارات بحكم وتيرة الحياة السريعة، والانشغال، وبعد المسافات، وازدحام المدن.
ومع ذلك، ورغم القلق الذي يسبق الموعد، وما يصاحبه من تجهيز واستعداد، إلا أننا ما إن نصل القاعة – رجالًا أو نساءً – حتى يزول التوتر ويتحوّل إلى متعة صافية. فمقابلة الأقارب والأصدقاء، وتبادل الابتسامات والقبلات والأحاديث الودية، ومشاهدة العرضة والرقص، كلها لحظات تُشعرنا بأننا في جنة فرح ورحمة اجتماع مبارك.
حتى وجبة العشاء لا يكون لها ذاك الاهتمام؛ فالسعادة الحقيقية تكمن في اللقاء. وبعد العشاء، يحلو الجو، وتتشكل مجموعات الحديث، فنسمع الضحكات وتُستعاد المواقف الجميلة، ويجري السؤال عن الأحوال بشكل مفصل. بعض الحضور يمكثون أطول انتظارًا لخروج النساء، وهنّ غالبًا من يحددن وقت المغادرة.
وعند الخروج نشعر براحة البال؛ فالمواقف أصبحت خالية بعد الزحام، ونغادر القاعة مستبشرين، لا نهتم كثيرًا بما طرأ على ثيابنا من بقعة قهوة أو أثر لحم أو ماء؛ فالمهم أننا استمتعنا. وربما يصر أحد المرافقين في الطريق على طلب وجبة “ماكدونالدز” لأنه لم يتناول العشاء، منشغلًا بالحديث مع أصحابه.
نصل البيت قبيل الفجر، يرافقنا نعاس جميل، ونتمنى في داخلنا: متى ستكون المناسبة القادمة؟
أكثر الله أفراحكم، وقلّل أتراحكم، وجعل أيامكم عامرة بالسرور، ونهنئ العرسان ونتمنى لهم حياةً هنيئة مباركة.
عذراً أخي أبو مازن فقد سرّبت حديثنا .. ولكنه كان مكالمة وحديثاً رائعاً يستحق النشر 🙏😍


دراما أسرية…
بعض الأسر تحوِّل حياتها – من حيث لا تشعر – إلى مسلسل درامي طويل لا تُعرف نهايته، وتبدو كأن بطل الحكاية مفقود. فتصرفات أفرادها ومفاجآتهم المتكررة تجعل الناس يتداولون أخبارهم كأنها قصة واقعية تستحق المتابعة.
كانت البدايات جميلة وحالمة، ثم تحوّلت مع الأيام إلى ميدان مشاكل يصعب حلها، وإلى طلاسم عاطفية يستحيل فكّها. يظنون أن أمورهم مستورة وهي مكشوفة، ويدّعون كتمانها وهم يشعلون نارها بتصرف بسيط يظنونه حقًا. وعندما تعمى العيون، تخون القلوب.
يحاولون التبرير، فيصطدمون بفراغ المعاني، فلا كلمة تواسي ولا ابتسامة تزيل الغموض. يغرقون في بحر من الفوضى العاطفية، بعيدين كل البعد عن الأمنيات التي بنوها من وحي خيالهم، ومنكرين واقعهم الذي يأبى أن يُنكر.
يستندون على غيرهم طلبًا للوجاهة، ثم تذبل شفاههم عند الحديث، ويلجؤون إلى قوم ذهب زمانهم، يرجون منهم الإصلاح، ويقدّمون أعذارًا بالكاد تُخفي ما انكسر بينهم من تجافٍ.
والمشكلة الكبرى أن هذا المشهد متكرر، لا يُشبه المسلسلات الهندية ولا التركية؛ فهذه تُكتب لها نهايات، أما مشاكل بعض الأسر فلا نهاية لها.
والخلاصة:
هي بلا مَخرَج (بفتح الخاء)…
وبلا مُخرِج (بضم الخاء).
والله الهادي.


زمان يا دبي!
في هذه الصورة أبدو متوسّطًا رفقاء الدرب في شركة أرامكو السعودية – الجبيل (ساسرف)، وتحديدًا من الإدارة العامة للموارد البشرية: الأخ عيد الغريري والأخ علي الصيخان. جمعَتْنا زمالة مهنية امتدّت منذ بدايات توظيفنا بين عامي 1982 و1984م، وتشاركنا خلالها عضوية عدة مشاريع للموارد البشرية في مختلف المجالات.
كان اجتماعنا الأسبوعي مساحة نعرض فيها نشاطاتنا، ونناقش مسارات المشاريع، ونتدارس احتياجات موظفي المصفاة. كانت لقاءات مليئة بالحيوية وإبراز القدرات في إدارة الموارد البشرية تحت توجيهات الإدارة التنفيذية.
أما هذه الصورة فالتُقطت في دبي أواخر الثمانينات الميلادية، حين اجتمعنا ممثلين للشركة في ندوة للموارد البشرية، مع نخبة من الزملاء من شركات سعودية وخليجية متعددة. كانت دبي آنذاك وجهة رئيسية للمستشارين الأجانب، ومحجًا للمتخصصين السعوديين؛ نزورها مرات عدة كل عام ما بين دورات ومؤتمرات.
اليوم تغيّر المشهد؛ فمع تطوّر القطاعات الاستشارية داخل السعودية، لم تعد دبي تحتكر ذلك الزخم، وأصبحت الندوات والدورات تُقام في مقار الشركات المحلية، بتنظيم جهات خبرة سعودية رائدة.


بين الصبر والاستسلام
تخوض بنا الأماني حسراتها حين تفلت من أيدينا، فتغدو القلوب معسكراتٍ غاضبةً، تُقيم فيها خيامُ الملامة، ويشدّ التصبّرُ أوتادها بضعفٍ يتناوب عليه الرجاء واليأس.
تهبّ عواصف القدر أحياناً بعنفٍ لا يُطاق، وأحياناً تهمسُ بهدوءٍ يرهقنا أكثر من صخبها، فتزرع فينا شعوراً بالعجز عن صدّها أو احتمالها، وتدعونا خلسةً إلى الاستسلام، تحت وهم الرضا بما تحطم من الأحلام، وما تهاوى من أبراج التمنّي.
لكنّ الصابرَ الحقَّ يشبه الجبالَ الراسية، لا تهزّها بروق الصيف ولا تمحوها العواصف، بل تزهو بعد كل مطرٍ بشموخٍ جديد، يروي جذورها ويجعلها أصلب وأعلى.
ففي لحظات الصفاء، يغرد الطيرُ فرحاً لأنه نجا من الإعصار، ويختبئ البومُ في ظلال السكون مترقباً عودة الظلام، والبحّارُ الذي خاض الغضبَ الموجيَّ يعرف البحر، وإن جهل أعماقه، يعرف طريقه إلى المرسى، كما يعرف الطير طريقه إلى العشّ.
وهكذا، تنتهي مشاويرُ العناء عند من اختار الصبرَ مرسى، وتضيع عند من آثر الاستسلامَ مغادرةً لا عودةَ بعدها.
فما بين لحظة المغادرة وموعد الوصول، يكمنُ جوهرُ الإنسان، وميزانُ ما تبقّى فيه من صبرٍ، أو ما انكسر فيه من أمل.


في حديقتي .. أزهار
مع بداية موسم الزهور شرعتُ بزراعة الأزهار الموسمية في حديقة منزلي، وتهيئتها بما تحتاجه من عناية عضوية لتبقى خضراء مزهرة في هذا الوقت من السنة. وقد استدعيت المزارع عمر، صاحب الخبرة الواسعة في المجال الزراعي، ليمضي معي يوماً كاملاً منذ الساعة الثامنة صباحاً وحتى منتصف العصر.
ورغم أن المكان امتلأ برائحة السماد التي خيّمت على الفناء، فإن النتيجة كانت عملاً جميلاً يشرح الصدر، ويمنح الداخل والخارج شعوراً بالسعادة منذ أول نظرة في الصباح. فالجلوس في ساحة البيت بين الألوان الطبيعية يبعث على الراحة، ويُشعر المرء بنقاء نفسي تصنعه الرائحة الزكيّة والمنظر البهي.
الحمد لله على هذه النعمة الوجدانية، ثم الشكر للمزارع عمر على تفانيه وإخلاصه؛ فقد أظهر أمانة في عمله تعزّز استمرار تعاملي معه، وهو دائم التواصل وإبداء الاستعداد لكل ما يضفي على حديقتنا الصغيرة جمالاً وحضوراً مميزاً.


شتاء وشواء
يحلو الشواء في الشتاء مع الأسرة والأصدقاء والأحباب؛ داخل البيت أو خارجه، يعلو دخان ضوّه وتفوح نكهته، ويطيب الطعم بصنع الأيادي.
قد نلغي وجبة منتصف النهار لنتفرغ للاستعداد لهذه المناسبة الدافئة،فنُشعل الوقت حيويةً، ونشكّل لحم الشواء من كل نعمةٍنعمة.
يتشارك الجميع الوقوف حول الشواية، يساندون المسؤول عن الشوي، وقد نلمح بعض الحروق فنتقن التبديل والتقليب من كل جانب، حتى يحين وقت الجلوس حول ما جادت به الشواية من لذةٍ ودفء.
جمعةٌ في يوم جمعة، ولمّة عائلية بترتيب جميل،
وشويٌ يتولاه الابن أحمد—وهو في الصورة—يمارس هوايته التي دائمًا ما تدفعنا لإعادة هذه الأجواء في عطلة نهاية الأسبوع.
فطالما الشتاء باقٍ… فالشواء مستمر.


اقتناص الفرح
اقتناص الفرح هو أجمل ما نهبه لقلوبنا، لنحوّله بعدها إلى ابتسامات نهديها لمن حولنا. هو اقتناص معنوي نمارسه بلا خوف ولا تردّد، نكرره بمحبة، ونستعيد أثره كلما احتجنا سببًا يخفف عبء الأيام حتى إن لم يُعجب البعض.
ومهما مرّت بنا الأحزان، يبقى الفرح قادرًا على جلاء الطريق. نتذكّره ولا ننساه، فهو الأساس في دنيانا، والمحرك الحقيقي لكل أمل نحمله وكل حلم نتمنى تكراره.
إن اقتناص الفرح مهنة شريفة، يمارسها من أراد أن يسعد نفسه ويسعد الآخرين بلا عنف ولا سلب… سوى سلب الهمّ ومنح البهجة.

أول المسفار

علي بن سعيّد ابو ثامر – الرياض – ذكريات مبتعث
كلام جميل جداً وسلامي تحياتي .. للأخ المكافح المثابر سعد الحارثي.
صالح العساف – المدينة – الدكتور أسامة يكتب
من أجمل المقالات التي قرأتها.
الدكتور أسامة أمير – القاهرة – يوميات عثمان
في قريتنا: مقال جميل يا أبو أحمد وكلنا هذا الرجل الذي يحن الى دياره القديمة والتي كانت مليئة بالحب والود بمن سكنوها ، وتذكرت قول الشاعر القديم مترنماً بنفس المعاني:
يا طارق الباب رفقاً حين تطرقهُ
فإنه لم يعد في الدار أصحابُ .
أرحم يديك فما في الدار من أحد
لا ترج رداً فأهل الودُ قد راحوا .
صفاء الهدوء : أعشق مدينة الجبيل الصناعية والتي قضيت فيها ٢٥ سنة من أجمل سنين حياتي لحسن نظامها ونظافتها وترتيبها ومازال أولادي يتذكروها إلي الان ، آدام الله عز المملكة ومدنها وناسها
حين تكون العلة فينا: مقالك هذا ذكرني بأبيات لأبو العلاء المعرى:
من كان يطلب من أيامه عجبا
فلي ثمانون عاما لا أرى عجبا
الناس كالناس والأيام واحدة
والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا
زويمل الفضل – الفلبين – الدكتور أسامة يكتب
مقالة رائعة من رجل رائع، أتمنى من الله أن ينعم عليه بالصحة والعافية.
عزيز بن سعد الله – الدمام – الدكتور أسامة يكتب
مقالة رائعة بكل المقاييس للدكتور اسامة أمير وهو أمير باخلاقه دون شك فإحساسه الراقي الذي انسكب بين سطور المقالة ليذكرنا بقصة الحياة ودورتها التى لا محال منها ومن نهايتها المؤلمة بفراق الأحبة، إلا أن الدكتور أسامة نجح بإحترافية عالية ليعود بنا الى باب الأمل الذي يغمرنا ينسينا هذه الرحلة فنحمد الله على أن جعل الأمل بوابة تنسينا أحزاننا ينعشنا لنعيش أحلامنا.
دمت في ود وعافيه أبا أحمد أنت والدكتور أسامة.
تحياتي.
سعد عبد المجيد الغامدي – الجبيل – الدكتور أسامة يكتب
أبدع الدكتور أسامة أمير بقلم الطبيب ذو الأخلاق الإنسانية الراقية، وله من اسمه نصيب فهو أمير حقاً بأخلاقه وسمو تعامله مع الآخرين والشكر موصول لك أبا أحمد على استضافة الأخ العزيز الدكتور أسامة أمير حفظه الله.
سعد الحارثي – الجبيل – الدكتور أسامة يكتب
كثير من الأوفياء الوافدين للعمل بيننا في مملكة الخير لا ينسوا ذكرياتهم الطيبة مع زملائهم بل وحنينهم لتك الأيام ويماثله وفاء السعوديين و تقديرهم و تكريمهم لمن قدم للسعودية أعمالاً جليلة قوبلت بالتقدير و الإحترام من قِبل المواطنين السعوديين.
مسفر اليامي – الجبيل – الدكتور أسامة يكتب
أنعم وأكرم بك وبأبو هاشم❤️🩹
مبارك الشمراني – الدمام – الدكتور أسامة يكتب
عز الله الدكتور أسامه إنه أفضل طبيب مصري عمل في ساسرف من أخلاق وطيبة ومهنته ودائم نستشيره في أي وقت ودائم ينورنا بنصائحه الطبية ونسأل الله أن يوفقه في حياته الجديدة وهو بأتم الصحه والعافيه.
منصور السليماني – الجبيل – الدكتور أسامة يكتب
السلام عليكم
أحسنت أبو أحمد بنقل مقال الدكتور أسامة وساسرف كانت محظوظة بهذا الطبيب الإنسان الرائع والإنساني في عمله وتعامله وإدارتة للخدمات الطبية بساسرف وما زلنا نكن له كل احترام وتقدير ونتذكر جميع المواقف المميزة معه حفظه الله وأطال في عمره وجمعنا معه في الآخرة في جنات النعيم. تحياتي.
————————————————————
أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا
I wish you a blessed coming week
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.