في (بعض) الأحيان يعاندني (البعض)، لا في الردود، بل في الأفعال… وهي مرتبة أعلى في سلم العناد. فلو قلت: السلام عليكم، ردّ عليّ بكل ثقة: مساء النور…ولا أعلم حتى الآن: ما هو هذا النور؟ ومن أين استورده؟
وإن شرحت موقفي، بادر — متذمراً — بشرح ظروفه و — متنمراً — في ثنايا كلامه، فنخرج من الحوار بلا نتيجة، سوى أننا اكتشفنا أن الحياة مزدحمة بالمجادلة، وأن النوايا الطيبة كائنات مهدد بالانقراض.
أحاول أن أنصرف عنه … فيردّ عليّ بابتسامة فلسفية: الحال من بعضه. وهنا تحديدًا، تنتهي المحادثة رسميًا، وتُرفع الجلسة لعدم جدوى الوعي.
وبين تلك “البعُوض” — بضم العين .. نعم، جمع (بعض) كما في قاموسي الخاص المعتمد — تضيع الحكمة، وتجلس على شاطئ مهجور، تنتظر موجة تأخذها إلى بحر الظن، حيث تغوص قليلًا… ثم تستقر أخيرًا في قاع النسيان، وكأنها لم تكن أصلًا.
هكذا تسير حياة (البعض): بين نكران الموقف، واستدراك ما يُنسى، ثم العودة إليه… لا مكرهين، بل بكامل إرادتهم، وكأنهم يحبون الإعادة أكثر من الفهم.
يسلكون الطريق الأطول، لا لأنه الأفضل… بل لأنه يسكّن شيئًا عابرًا في دواخلهم، شيئًا لا يعيش طويلًا، لكنهم يُصرّون على القيادة.
يحلمون عند مفترق طرق: بين التمني والابتعاد … حتى لو كان فيه ألم لغيرهم، لأنهم — ببساطة — يهوون المناظرة، ولو جاءت مع فاتورة باهظة.
وبين الألم والأمل… لا فرق يُذكر، سوى ترتيب الحروف. لكن لأنهم لا يجيدون الترتيب، يذهبون — بكل هدوء — نحو الملل، يقيمون فيه إقامة دائمة، ويشربون من نهره ماءً مرًّا… لا يروي عطشهم، لكنّهم — بلطف — يبلّون ريقهم ، كي يستمرون.
يستمرون فقط… ليلهثوا نحو نهاية الطريق، ويكتشفون — في اللحظة الأخيرة — أن الكأس الذي كانوا ينتظروه …قد انكسر .. فلا تُقرأ حروفهم ولا أحد يسأل عنهم ولا هم يسألون عن أحد!!
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.