عندما قررت القيم أن تأخذ إجازة مفتوحة من داخل النفوس، لم تترك حتى إشعار عودة… فقط غادرت بخفّة، وكأنها لم تكن هنا يوماً.
ومن يومها، صرنا نتعامل مع الضمير كضيف ثقيل نحاول تذكّره أكثر مما نحاول الاحتفاظ به.
القيمة الروحية كائن عابر… لا تحزن طويلاً ولا تفرح كثيراً، لأنها ببساطة لا تجد مكاناً يستحق أن تمكث فيه. تمرّ على النفس مرور الكرام، ثم ترحل حين يرفع العقل حاجبه مستنكراً، وكأن العاطفة تهمة يجب التخلص منها.
أما ما يبقى… فليست القيم، بل آثارها. بقايا عنيدة، لا يزيلها الزمن ولا يمحوها ندم متأخر. نحاول غسلها بالأيام، نفركها بالانشغال، نغطيها بالتبرير… لكنها تضحك بصمت، وتبقى.
القلب المسكين، كعادته، يصدّق أنه قادر على الترميم. يستدعي أوهامه، يجمع ما تبقى من حنين، ويحاول أن يقاوم… لكنه لا يدرك أن الضرر لم يعد يُقاس، بل يُعاش. وأن ما انكسر في الروح لا يعود شكله الأول، مهما بالغنا في التظاهر.
تتراكم الخسائر بهدوء أنيق… حتى نصل إلى مرحلة راقية من فقدان الضمير. هناك، لا حاجة للضجيج: الروح تموت بهدوء، والقلب يختار الصمت، والجسد يتكفّل بالباقي… يمرض بالتدريج، يشتكي بلا سبب واضح، ثم ينهار كمن كان ينتظر إشارة النهاية.
وفي المشهد الأخير، نقف أمام النهاية بدهشة مصطنعة، ونقول بثقة: هذه سنّة الحياة.
ثم يُختصر كل هذا السقوط الطويل في جملة قصيرة جداً: “تعازينا… رحمه الله.” … وكأن الرحلة لم تبدأ يوماً من الداخل.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.