شهدت نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات منعطفاً حاداً في الوعي الجمعي لشباب المملكة والعالم الإسلامي عموماً. كانت تلك الحقبة امتداداً لصدمة مزدوجة: حادثة جهيمان في الحرم المكي عام 1979، والثورة الإيرانية بقيادة الخميني في العام نفسه.
هاتان الواقعتان أسستا لخطاب جديد، بدا في ظاهره دينياً خالصاً، لكنه كان يحمل في باطنه بذور الانقسام والتوظيف السياسي. لم نكن ندرك أبعاده آنذاك تماماً، لكن وقع أثره كان ثقيلاً، وأحدث مباشرةً جواً من الريبة والانقسام.
لم تكن ما كان ما يسمى بالصحوة مجرّد مرحلة عابرة في حياتنا، بل كانت زمناً ثقيلاً غيّر مسار كثير من الشباب، وألقى بظلاله على المجتمع كله. أكتب هنا لا بصفة المؤرخ وحده ولا المحلّل، بل من موقع الشاهد العيان الذي عاش تلك الأيام بقلقها وتردّدها ودهشتها.
أذكر بوضوح ما وقع في سنتي الجامعية الثالثة، حين دوّى ذلك الزلزال المزدوج. لقد أفرز خطاباً جديداً غريباً على بيئتنا، خطاباً يزخر بمفردات مثل التغريب والفكرالمنفسخ. وكان أخطر ما نتج عنه تفريغ الجامعات من خيرة العقول، إذ جرى استدراج طلاب بارزين إلى “الكهوف المظلمة” تحت شعار الجهاد، ليصبحوا أدوات بيد حركات عابرة للحدود. لم يكن ذلك خياراً فكرياً حراً، بل استغلالاً لعاطفة دينية صادقة حُوّلت إلى طاقة مدمّرة.
لا أنسى أبداً ذلك المشهد في السكن الجامعي في جامعة البترول والمعادن بالظهران، عدت وزميلي من رحلة شبابية قصيرة خارج المملكة، نستمتع فيها ببراءة العمر، فإذا بشابين من “الصحويين” ينتظراننا عند مدخل الغرفة. ما إن رأيانا بملابس السفر حتى ألصقا أيديهما بالجدران وشرعا في البكاء كأنهما أمام “حائط مبكى”. كانا يتألمان لأننا “تخلّفنا عن الغزوات”، وكأننا ارتددنا عن الدين! صراخهما بالفصحى وأدعيتهم الكهنوتية بدا مشهداً أقرب إلى مسرحية هزلية منه إلى حوار ديني. يومها شعرت أننا نعيش عبثية كاملة.
لقد كشفت مشاهد كهذه عن جدلية الصحوة: بكاء جماعي على جدران غرف طلابية، وتصوير كل من لم ينخرط معهم على أنه خارج من الملّة. لم تكن تلك سوى طقوس هدفها إضفاء رهبة زائفة وإيهام الشباب أنهم أمام صكوك غفران.
اليوم، وبعد مرور عقود، يتبين أن تلك الصحوة لم تكن مجرّد “تديّن عابر”، بل مشروع أيديولوجي تقاطع فيه الديني بالسياسي. اكتشفنا أن كثيراً ممن انساقوا خلف ذلك التيار ضاعوا في سراب الجهاد الموهوم، تاركين دراساتهم وأحلامهم، ليتحوّلوا إلى أدوات بيد آخرين. فُوّتت بسببها آلاف الفرص العلمية والحياتية على شباب بأكملهم. أما نحن الذين تردّدنا ووقفنا على العتبات، فقد نجّانا الله من أن نُبتلع، وكشف الزمن هشاشة ذلك الخطاب، وأعاد التوازن تدريجياً إلى المجتمع.
أقولها اليوم بثقة: كنّا جيلاً عاش ذالك الزمن بكل تناقضاته. رأينا كيف استُغلّ الدين لتأطير العقول وتوجيه الطاقات نحو صراعات لا ناقة لنا فيها ولا جمل، وكيف انقشع ذلك الغيم مع مرور السنوات ليعود النور إلى الوعي. لم تترك تلك التجربة ندوباً فحسب، بل علّمتنا أن التفكير الحر هو صمّام الأمان، وأن القداسة المصطنعة لم تكن سوى قناع يخفي مشروعاً أيديولوجياً عابر اللحظة وزائل.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.