مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 8

يوميات عثمان 8

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

صورة واحدة قادرة أن تفتح أبواب الذاكرة على مصاريعها… صورة تجمع نخبة من زملاء العمر في شركة مصفاة أرامكو السعودية (ساسرف) بالجبيل. لم تكن مجرد زمالة عمل، بل كانت أخوّة صاغها العطاء اليومي والجهد المشترك. كنا نفخر ببعضنا كما نفخر بشركتنا العملاقة، ونتقاسم لحظات لا تُنسى في الاحتفالات والتكريمات التي كانت تضيء ليالينا.

الجبيل الصناعية لم تكن مجرد مدينة نعمل فيها، بل غدت قطعة من القلب. ارتبطنا بها حتى صارت جزءًا من ذاكرتنا ووجداننا، ببحرها ونسيمها وهدوئها وذكرياتها. وكلما استدعينا تلك الأيام، عاد إلى أرواحنا ذلك الإحساس الجميل بأننا كنّا – وسنبقى – أبناء مرحلة ذهبية، حملت في طياتها معنى الوفاء والانتماء.

هناك رجال يثبتون مكانتهم بما يبذلون من خير، فيكبرون في النفوس ويزدادون وزناً في الموازين، وهناك آخرون لا يُجيدون سوى الأخذ، يتسيدون المجالس بالبشوت، لكنهم عند مواجهة المواقف الحقيقية لا يعدون أن يكونوا نُكرات. 

يعتمدون على إذعان الآخرين لإشباع ذواتهم، ويحيطون أنفسهم بجوقة من المطبلين والمنافقين، يجيدون الترزز في المواجيب المجانية، ويبرعون في توزيع الابتسامات والعبارات المكرورة. 

إنهم تجار رخيصون: يدفع غيرهم الكلفة بينما يجنون المظهر، ويتركون الغالي على من حولهم نيابة عنهم.

أما أتباعهم فما هم إلا إمّعات، يسيرون كالخراف في مرعى جافّ لا يسد رمقاً، يتزاحمون على فتاتٍ يقتاتون به ليحفظوا حبل الوهم مشدوداً.

 وفي النهاية، يزفّون المزعوم إلى أزقّة المدن وصالاتها كأنه نجمٌ صاعد، بينما هو لا يُضيء لنفسه، ولا يُنير لغيره.

الخبز هذا “العضو المنتدب” في حياتنا اليومية؛ أكتشف يوميًا أن الخبز ليس مجرد طعام، بل مشروع مؤامرة كبرى! الطبيب يوصي بالأسمر لأنه “صحي”، مدربة اللياقة تصرخ بالشوفان لأنه “رشيق”، والأبناء يطالبون بالتميس لأن “ما في مثله مع الفول”. 

أدخل المخبز فأجد الزبائن يتحولون إلى خبراء تغذية ومستشارين شخصيين: “جرّب هذا… ابتعد عن ذاك!”، هذا يمدح خبز النخالة، وذاك يوصي بخبز الشرائح الألمانية المقطعة بدقة.

وفي النهاية، أخرج بثلاثة أنواع مختلفة، كأنني أؤمّن إعاشة معسكر لا أسرة صغيرة. وهنا يتسرب إليّ الشك: هل هناك اتفاق سرّي بين الأطباء والمدربين وأصحاب المخابز؟ الأول يحذّر، الثاني يفرض، والثالث يخبز… ونحن ندور في الدوامة، حتى لا يبقى في المخبز رغيف واحد يهدأ في مكانه.

الصيف يتهيأ للمغادرة بخطوات متثاقلة، لكنه – كعادته – لا يرحل بهدوء، بل يترك لنا قبلة حارة أو رطوبة لزجة،… ندخل دوامة المواسم؛ بين صيانة المكيف قبل أن يخوننا وبين تفقد الثلاجة التي قد تعلن استقالتها في عزّ الحر، لتُدخلنا في مدفوعات لم تكن بالحسبان.

أما الشتاء، فله طقوسه: أهرع إلى سطح المنزل لأتفقد إمكانية تسرب المطر، ثم أنزل إلى الفناء لأستكشف جاهزية الشواية وكأني سأقيم مهرجان شواء وطني. وبعدها أستدعي المغسلة، رجاءً لا أمراً، لتأخذ البطانيات والفروات استعداداً لشتاء قد يستمر أسبوعاً وقد يمدد إقامته أشهراً بلا استئذان.

ومع ذلك، فالشتاء له حسناته؛ الفواتير تهدأ قليلاً، والزهور الموسمية تزين الحوش وتجعل الخروج متعة للنظر.

وهكذا تستمر حياتنا، ولله في تقلب الفصول حكمته التي لا نملك إلا أن نبتسم لها ونحمد الله على كل حال.

الحدث الأبرز هذا الأسبوع كان العدوان الذي شنّه الكيان الصهيوني على قطر، في استمرارٍ لعربدته المعهودة وجرائمه التي لا تنقطع بحق الأمة العربية والإسلامية. وما زال هذا الكيان المغتصِب لأرض فلسطين يجد في الولايات المتحدة سندًا وداعمًا، رغم ما تدّعيه من قيم الحرية والعدالة، بينما أفعالها تكشف عن ازدواجية وغياب لأي التزام حقيقي بحقوق الشعوب.

أمريكا لا تعرف معنى التحالف الصادق ولا مفهوم الصداقة الحقيقية؛ فوجود إسرائيل لم يكن ليُكتب له البقاء لولا دعمها المطلق. لكن فوق كل جبار متغطرس قوة أعظم تمهل ولا تهمل، والتاريخ شاهد بأن الطغاة مهما بلغوا من جبروتٍ فإن نهايتهم محتومة. ﴿وسيعلَم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون﴾، ولله في ذلك حكمة، وهو سبحانه أعلم بمآلات الأمور.

في محراب صلاتي، أبسط يديّ إلى السماء، وأدعوك يا ربّ بكل يقين. أدعو لأحبابي أن تكسو أجسادهم عافية، وأن ترفع عنهم البأس، ولقلوبهم أن تفيض صلاحًا وهداية. وأدعوك لمن أضلّهم أمرٌ أو غشّاهم لبس، أن تشرح صدورهم، وتشفي عقولهم، وتفتح لهم من أمرك رشدًا.

وأدعوك لمن أساء إليّ: إن كان في نيّته عذر، فالهمه العذر، واجعل له من صفحك سترًا؛ وإن كان في قصده أذًى، فاجعل جزاءه بما كتبت وعدلك قضيت.

ثم أرجع إلى نفسي فأقول: يا رب، بارك لي في حياتي، واملأها سكينة، وامنحني صبرًا جميلاً، ويقينًا راسخًا، وتوكّلاً لا ينقطع عليك. اغفر زلاتي، واستر عيوبي بستار غفرانك، واجعل قلبي وعقلي طائعَين لك، منيرَين بطاعتك، سائريْن على صراط كتابك وهدي نبيّك الكريم.

اللهم لك الحمد على نعمك الظاهرة والباطنة، ولك الشكر على فيض فضلك. وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد، خير البشر، هادي السبيل، ونور الطريق، وشفيع الخلق يوم يقوم الناس لرب العالمين.

تظهر الصور فجأة من مخابئ الزمن، لتوقظ فينا حنينًا غائبًا وتستدعي زمنًا مضى. هذه صورة من طفولة شبابٍ كبروا واكتسبتهم السنين خبرةً ومعرفة. 

في مدينة الجبيل الصناعية .. على شاطئ الخليج، وتحديدًا كورنيش الفناتير، يقف أربعة فتيان بدراجاتهم الصغيرة، يتهيأون لرحلة بريئة تبدأ بمسافات قصيرة وتمتد لمسافات أطول مع ضحكات الطفولة.

اليوم صاروا رجالًا، وربما لم يعودوا يذكرون هذه الصورة التي لم تُحفَظ في ذاكرة الجوالات كما نحفظ صورنا الآن كل يوم. لكن خالهم أفصح عنها من جديد، لتكون تذكرةً بوقت ممتع قضوه معنا، ولتفتح باب التساؤل: 

هل تذكرون يا زياد، يا صالح بن سعد الله،  يا أحمد، ويا مساعد بن عثمان تلك اللحظة البسيطة التي غدت ذكرى عميقة؟

أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا 🌸

 I wish you a blessed coming week 🌟

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …