مواضيع منوعة

حدود الصمت

عندما يجهل الإنسان عواقب حديثه أو يغفل عن أثر كلماته وحركاته، فإنه لا يجني سوى ما زرعت أقواله وسوء تقديره. ينزلق بنفسه إلى مربعات مظلمة لا يعرف حدودها ولا مداخلها، فيتمادى في الخطأ الذي يراه بسيطًا، بينما قد يكون ثمنه خسارة قريب أو إبعاد صديق.

التطفل على مشاعر القربى جرح خفيّ، يتسلل صاحبه إلى زوايا ليست له، ويغوص في أعماق لا يملك مفاتيحها. يوهم نفسه أنه يُحسن صنعًا وأنه محبّ، لكنه في الحقيقة يلزم الآخرين على الحرج، ويغلق عليهم أبواب راحتهم. 

يظن أن صمته عن اللوم شهادة براءة، فيظهر بلا مشاعر جامعة بل بروح مفرقة، يروي عطش غروره بفضح أسرار لا تخصه، ويكسر خواطر الآخرين دون مراعاة لخصوصياتهم وأحوالهم.

هذا الإنسان يتقن صياغة ما يلتقطه من خفايا، فينفخ فيها مبالغةً وزينةً لفظية، ظانًا أن ذلك يزيده مكانة. لكنه يغفل أن حرمة الناس في مشاعرهم مصونة، وأن صيانتها حق لهم لا يُنتزع. فالقرب لا يمنح أحدًا صكًّا لاقتحام الأسوار الداخلية، ولا يشرّع له انتهاك دواخل البيوت، ولا يبرّر له التسلّق على سلم القرابة ليصير حاكمًا على نياتهم وسيدًا على أسرارهم.

القربى رحمة، ومن يحوّلها إلى سطوة يفرغها من معناها. إن هدم الأسوار العالية التي تحفظ الخصوصية خيانة قبل أن تكون خطأ، وتعدٍّ على نطاق الأدب قبل أن تكون فضولًا. وحين يستفيق هذا المتطفل بعد فوات الأوان، لا يجد في يده سوى بقايا علاقات هشّة، وذكريات مكسورة كان يمكن أن تظل عامرة لو لزم حدود الحكمة والصمت.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …