مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 7

يوميات عثمان 7

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

مع إطلالة العام الدراسي الجديد، تعود بي الذاكرة إلى مقاعد مدرسة الرياض الثانوية في سبعينيات القرن الماضي. ما زلت أستحضر تلك الأيام حين كنت أنهض مبكرًا لأرتب كتبي ودفاتري، وأمضي مسرعًا على قدمي إلى المدرسة.

ومن بين الصور التي أحتفظ بها، صورة التقطناها في يوم نشاط ونحن في الصف الثالث الثانوي (شعبة أ). ورغم أنني لا أتذكر كل الزملاء، إلا أنني أذكر من كانوا من الأقربين إليّ، ومن بينهم زميلي الدكتور فهد الخضيري، الذي واصل مسيرته العلمية حتى أصبح مديرًا عاماً  لإدارة التقنية بوحدة البوليمرات في شركة سابك، وكرّمه وزير الصناعة في عام ٢٠١٣م (الصورة).

والدكتور فهد هو شقيق كل من: الدكتور علي الخضيري، وكيل وزارة الإعلام لشؤون الإذاعة السابق، و الأستاذ منصور الخضيري، وكيل الرئيس العام لرعاية الشباب السابق، والذين أيضاً كانوا من أشعر المذيعين في التلفزيون السعودي. لقد كانوا جميعًا رموزًا في زمنهم، يجمعون بين الأدب، النشاط الإعلامي المميز، والروح الوطنية العالية.

وإلى أخي العزيز الدكتور فهد، أبعث سلامي وتقديري، وإن وقعت عيناه على هذه السطور، فأتمنى أن يتواصل لتجديد تلك الأيام التي حملت من الود والصفاء ما لا ينسى.

أحيانًا أنزلق إلى غفوة على أريكتي، أفتل أعصابي بخيوطٍ وهمية، أشدّها وأرخِيها، وأظن أنني أمدّد راحتي بينما أحرّر جسدي من تيبّسٍ قديم كان يُثقِل قيامي وجلوسي.

أغرق في غفوةٍ متوسّطة، بابٌ نصف مفتوح بين الوعي واللاوعي، أُطلّ منه على أحلامٍ لا تُرعبني، بل تنتشلني من عادية الأيام، تأخذني إلى جولةٍ بلا خرائط: مرّةً تُقعِدني وتُثقل خطواتي، ومرّةً تلاطفني وتُغيّر إيقاع حياتي، فأصبح صريحًا مع نفسي، منطلق السريرة بلا حواجز.

ثم لا ألبث أن أُنتزع من حلمي على صخب جوّالٍ أو موسيقى فوضوية يفرضها التلفاز بعد أن كنت مأخوذًا ببرنامجٍ هادئ. أحاول أن أستعيد ملامح الحلم، لكن عقلي يخونني، والمشاهد تتبخّر كدخانٍ يتلاشى بين أصابعي.

يا حلمي… كم أنت جميل حين تتركني على حافة راحةٍ غامضة .. كم أحبّ تلك الأحلام الهادئة التي لا تدفعني إلى الغرق في التفاصيل.

في صباحٍ يتنفس بالجمال في أنحاء مدينتي: الجبيل الصناعية، زرت ساحةحياة التي ارتدت ثوبها الجديد مع أول خيوط الافتتاح. هناك، ارتفعت النافورة كعروسٍ تتباهى بخضرة الأرض من حولها، يلمع رذاذها في الشمس كحبات لؤلؤ متناثرة على وجوه العابرين، والبحر القريب يشارك المشهد برائحة ملوحته العذبة.

وعندما يأتي الليل، تتحول النافورة إلى قصيدة ضوء، ألوانها تتراقص في الماء كأنها أنغام تعزف للروح وحدها. 

لحظة تأمل تجعل الزائر ينسى كل تعب، وكأن المكان خُلق ليُعيد للإنسان صفاءه.

إنها ليست مجرد ساحة، بل تحفة تهدي مدينتنا نبضًا جديدًا، وتُخبرنا أن الجمال قيمة لا تقل عن أي خدمة أو منفعة.

أدب المخاطبة : من أرقى الفنون التي عُرفت عند العرب، وهو كذلك جزء من ثقافة الشعوب الأخرى. واللغة العربية بما تحمله من عادات في الخطاب، تجعل الاحترام حاضرًا عند الطلب، وعند الاعتراض، وحتى عند الاختلاف. فقولك: «من فضلك» يضفي وقارًا على المتحدث كما يرفع من شأن المخاطَب. وفي اللغة الإنجليزية تأتي كلمة Please، وفي الفرنسية كلمة S’il vous plait بنفس الدور في صدر كل طلب.

لكن حين يرسل أحدهم رسالة فيطلب قائلاً: «إذا عندك .. أرسله»، بلا كلمة تسبق طلبه مثل «فضلاً»، فإن الأسلوب يتحول إلى صيغة أمرٍ جافة، تُقصي المطلوب عن كونه طلبًا كريمًا، وتجعل فيه انتقاصًا من قدر الطرف الآخر. ومعرفتنا القريبة ببعضنا لا تعني أبدًا أن نتغاضى عن هذه الآداب.

كثيرًا ما يستفزني هذا النوع من الخطاب، فأرفض تلبية الطلب حتى لو كان يسيرًا. ليس عنادًا، بل دفاعًا عن قيمة الاحترام التي أراها أحقّ بأن تُصان من إرضاء الآخرين.

أشتاق لذلك الزمان البعيد.. السبعينات التي تحمل في طياتها بساطة الحياة وبراءتها، يوم كان الصغير يكبر مع الحرف والصورة قبل أن تقتحمنا الشاشات والهواتف.

كنت أعيش طفولتي بين قصص صغيرة بحجمي وسنّي، أجد نفسي فيها وأحلم بعوالمها، وأفرح بها كأنها كنز أثمن من كل لعب الدنيا.

كم أحنّ إلى أيام كنّا نتبادل مجلات الأطفال بين بعضنا، بحماس الصغار وفضول البدايات. كنا ننتظر موعد الصدور كما ينتظر العطشان ماءه، فنلهث خلف رسومات الكرتون وأبطال الورق.

أتذكر مكاتب البطحاء في الرياض، تلك المحلات الشهيرة التي صارت جزءاً من ذاكرتنا. كنت أذهب إليها لأقتني نسخاً من مجلات سوبرمان، والوطواط، والبرق، وبونانزا، وميكي.

آه يا “ميكي”.. ويا “لولوة الصغيرة”.. كم كانت تسكن مخيلتي، وكم كان للعدد الجديد فرحة توازي العيد.

والأعداد القديمة؟ كنا ننتظرها في بسطات حراج الكويتية، نشتريها بنصف ثمنها وقد تصفّحتها أيادٍ قبلنا، لكنها عندنا كانت أغلى من الجديد.

ثم جاء زمن آخر.. زمن المراهقة والنضج. لم نكتفِ بمغامرات ميكي وبساط الريح وسمير، بل مضينا إلى قصص أرسين لوبين ودهائه، وغصنا في روايات فيكتور هوجو وغيرها من آداب العالم، وكأننا نتدرّج في مدرسة الحياة عبر الورق.

ذلك الزمن الجميل لم يكن مجرد مجلات، بل كان تربيةً للخيال، وصحبةً للبراءة، ومدرسةً للأحلام التي ربّت جيلاً على الكلمة والصورة قبل أن يعرف معنى السرعة والعجلة.

من ذا الذي يستطيع أن ينسى سنينه؟ ومن يملك أن يغلق أبواب ذاكرته على ماضي أيّامه؟

ماضي الإنسان هو زاده، يتوكّأ عليه إذا ما أخذت السنين تطوي خيوط عمره صفحةً بعد صفحة.

كل ذكرى فيه لحظة حياة، مقسومة على عقود من الزمان: عقد يكبر فيه الجسد، وعقد يكتمل فيه العقل، ثم تأتي خاتمة العمر شيباً يغزوه وضعفاً يثقل خطاه.

ومع ذلك، تبقى المشاعر حيّة لا تذبل، يسقيها ماء الذكريات، وتنهضه العثرات في كل مرة إلى حياة جديدة.

حياتنا ليست حياة واحدة، بل هي لوحات متراكبة، يكمل بعضها بعضاً، يقسمها الله علينا بحكمته، حتى نبلغ عمراً نزهو فيه بما عملنا لمرضاته سبحانه، فهو الغاية والمستقر في القلوب منذ الميلاد حتى الرحيل.

اللهم ارحم حالنا، ويسّر أمورنا، واختم لنا بخاتمةٍ حسنة، واجعل آخر كلامنا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. اللهم آمين.

عبارة “وصل حديثاً” هي نقطة ضعفي! أراها على باب أي متجر، فيسحبني الفضول سحباً. في مكتبة جرير لا أقاوم رائحة كتاب جديد، وفي متاجر ساكو وإكسترا أجد نفسي أمام أدوات عجيبة بعضها لا أعرف كيف يُستخدم، لكنني أقتنع أن حياتي لن تكتمل بدونها!

صحيح أن كل شيء متاح عبر التطبيقات، لكن ما المتعة في ضغطة زر؟ أنا أحتاج أن أمشي بين الرفوف، أن أفتح العلبة وأتأملها بجدية كأني سأخترع بها الذرة، ثم أشتريها لأرميها في درج “الأشياء غير المهمة لكن لا يمكن الاستغناء عنها”.

لذلك اعتدت أن أخصص مبلغاً شهرياً – نحو ٥٠٠ ريال بعد استلام الراتب، مع الحرص أن كل قطعة لا تتجاوز ٥٠ ريالاً. أشياء صغيرة، لكنها تملأني برضا غريب: كتاب جديد لا أجد وقتاً لقراءته، قلم فخم أضيعه بعد يومين، إكسسوار للابتوب لا يستخدمه أحد، سماعة أضعها في الدرج، كوب قهوة يضاف إلى عائلة الكؤوس التي لا تنقص أبداً، أو معطر سيارات لا يدوم إلا ثلاثة أيام.

ومع ذلك، لا أتوقف. أقضي ساعة كاملة في كل متجر، كأني في معرض دولي للتكنولوجيا، أستعرض “جديد الحياة” وأُقنع نفسي أنني أعيش على خط المواجهة مع الابتكار. الحقيقة؟ أنا فقط هاوٍ محترف في فن التسوق غير الضروري!

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …