الأخ والزميل علي بن غرم الله المشهور بـ (القريدل) – عافاه الله وحفظه من كل مكروه – رجل نبيل ومكافح، خبر الحياة منذ نعومة أظفاره، وكان مثالاً للصبر والمثابرة، فقد عاش طفولته يتيماً لكنه لم يعرف اليأس ولا التخاذل.
ذكرياتي معه تلمع كنجوم الطفولة، فقد زاملني في مدرسة الخالدية بالرياض في السنة الأولى الابتدائية عام ١٣٨٤هـ، وكان يكبرني بعقد كامل. ذلك أن المدارس آنذاك كانت تستقبل ضمن برنامج محوالأمية طلاباً من مختلف الأعمار، فكان بيننا الصغار الذين بالكاد يمسكون القلم، ومعنا رجال مكتملو البنية يجلسون على نفس المقاعد الخشبية، ومن هؤلاء كان الأخ علي.
كان أبو محمد عريف الفصل، لا لذكائه وحده بل لأنه الأكبر والأضخم بيننا، حتى أن وقوفه بجانبي كان أشبه بالحارس الشخصي! وذات يوم أقنعني – وهو بارع في الإقناع – أن أمكث بعد الدوام لمشاهدة مباراة كرة طائرة بين المعلمين والطلاب. وافقت على مضض، إذ كنت أعلم أن والدتي – رحمها الله – لا تساوم في مسألة المواعيد، وتعرف وقت عودتي بالدقيقة لا بالساعة.
استمرت المباراة قرابة ساعة، وعدت مع أبي محمد مشياً كما اعتدنا. وفي الطريق، وقعت المفاجأة: لمحت والدتي رحمها الله قادمة، وقد فرقتها عيني بين نساء الحي رغم العباءات السود. كنت ممسكاً بيد علي، لكنني نزعتها فجأة وكأنها سلك كهرباء! ركضت في مسار آخر كأنني مجرم فارّ من العدالة، بينما علي توقف مرتبكاً وهو يظن أن مكروهاً أصابني.
وصلتُ البيت قبلها ولذت بزاوية خفية، أترقب رجوعها وهي تعرف مكاني أكثر مما أعرفه أنا. دخلت بهدوء لا يوحي بشيء، وتركَت الأمر للمدعي العام: والدي – رحمه الله – الذي كان درعنا الحنون في الظاهر، لكنه لم يكن ليمنح حصانة من العقاب.
وفي المساء، عُقدت الجلسة، صدر الحكم، ونُفِّذ بالخيزرانة بلا استئناف، بعد اعتراف المتهم (أنا) وموافقة القاضي والمدعي العام (أبي).
وهكذا تعلمت أن المباريات الرياضية ممتعة، لكن مباراة المواعيد مع والدتي رحمها الله كانت أكثر جدية وأشد قسوة… وصدق من قال: الوالدان لا يملكان أسهماً في البورصة،لكن عندهما أسهم في التربية لا تخسر أبداً!
رحم الله والديّ رحمةً واسعة، وجعل قبريهما روضة من رياض الجنة، وغفر لهما بقدر ما ربّيا وعَلّما وصبرا.
وحفظ الله أخي العزيز علي بن غرم الله القريدل، وأمدّه بالصحة والعافية، وبارك له في عمره وأيامه وجعلها عامرة بالخير وطيب الحال.
ولنفسي أسأل الله حسن الختام، وصلاح العمل، وأن يجمعنا جميعًا في ظل رحمته ورضوانه، إنه سميع مجيب.

مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.