عندما تفتش في دهاليز العلاقات الإنسانية، تجد أن أقسى فصولها تُكتب بأقلام الأقارب. عندهم استعداد عجيب أن يجمعوا بين التمثيل المسرحي والغيرة الصبيانية، فيصنعون من العصبية وقوداً، ومن الأنانية سلاحاً.
قيل قديماً: الأقارب عقارب، وقيل: أوجع الطعنات تأتي من قريب. البعض ينفي هذه الأمثال لأنه لم يُفطم بعد عن حضن الراعي والحامي، يعيش حياة براقة خالية من خدوش الواقع. لكن مهلاً.. سيأتي اليوم الذي يتذوّق فيه الطعنة بلمسة “عائلية” حنونة، عند أول اختبار للوصال أو عند أول نوبة حسد تغلي في عروق أحدهم.
الثابت أن أقرب أعدائك هم أقرباؤك: أوسم المنتقدين، وأكثرهم جفاء، وأشدهم عتباً.. لأنهم يظنون أنك حين تتكلم إنما تقصدهم، وحين تلمّح فأنت تفضحهم، وحين تصمت فأنت تدينهم!
أما الأب، فهو الاستثناء الوحيد: الأقرب، والأوفى، والأقوى في وجه الجميع. وما عداه؟ مجرد وجوه تتبدّل حسب المرحلة: صديق طفولة، غريم شباب، عدو رجولة، وحاسد كِبر.
لا تنخدع بالألقاب: “ابن عم” قد يكون غمّاً، و”ابن خال” قد يصبح غالياً بالهموم. أما البقية، فهم على الطريق ذاته.
ولستَ أول من يُبتلى؛ فأول جريمة في التاريخ كانت بين أخوين، وقابيل لم يجد سوى هابيل ليقتله. ويوسف خانه إخوته، ورسولنا الكريم ﷺ لاقى أشد خصومه من أقربته حتى هاجر وترك موطنه.
الأقارب مدرسة متكاملة: يعلّمونك أن الحياة ليست بالضرورة كما في بطاقات المعايدة، بل كما في “المسلسلات التركية الطويلة”.. كثير من الدراما، وقليل من الوفاء.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.