مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 4

يوميات عثمان 4

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

الفقيد الراحل فالح بن علي بن غنيم العساف رحمه الله وغفر له، مع أبناءه على يمينه صالح وعن يساره عساف حفظهم الله

اليوم .. كان الحزن يلفني من كل جانب .. فغابت لذّة الأحداث وانطفأ بريق التفاصيل .. ولا عزاء للحروف والكلمات في حضرة الفقد .. ما أقسى أن يكتب المرء وقلبه مثقل بالغياب.

ستبقى صورة هذا الرجل الراحل محفورة في ذاكرتي ما حييت .. كان يمثل لي أخي الأكبر، وابن عمي الوافي، وابن خالي النصير، بل كان ملامح القربى مجتمعة في قلب واحد .. رجلٌ يجمع بين طيب الخُلق وعلو الشيم، وبين الشجاعة ورجاحة العقل، في منطقه وكلامه كما في صمته وسكونه.

هو في الجنوب وأنا في الشرق، لكن المسافات كانت تذوب تحت دفء أصواتنا .. كنا نمضي الساعات على الهاتف، أستأنس بحكمته، وأرتوي من معين تجربته.

فرق السن الكبير بيننا كان في حقي كنزاً، إذ حمل إليّ زاداً من أحاديث الآباء،وسيرة الأجداد، وحكايات الزمان التي لا تُمل .. كان موسوعةً سماعية، وتاريخاً حيّاً محفوراً في الذاكرة .. يسرد بلسان العارف بحقوق الرجال وطباعهم .. لم يعرف النفاق، فصراحته كانت كالسيف، قد تضعه في مواقف عصيبة،لكنها مواقف كان يخرج منها ثابتاً، لا يلوم ولا يلتفت وراءه.

صبره مداد بحرٍ لا ينضب .. لا يزعجه مدُّ الحاقدين، ولا جزرُ الشامتين .. ولا يركن إلى موانئ الآخرين، فميناؤه الواسع لا يضيق بمخارج ولا تمتلئ دواخله بالحزن.

رحم الله أبا علي، ورحم أيامي التي أنارتها صحبته،

وغفر له بقدر ما أكرم حياتي بحضوره.

اليوم اكتشفت موهبة كانت خافية في صدر أخي وشقيقي إبراهيم – حفظه الله – شاعر من الطراز الأول في نظري. كنت أتوقع أن يبدع في الشعر الفصيح، فاختصاصه في اللغة العربية يمنحه الدافع والمعرفة بأسرار الشعر وبحوره، لكنّه فاجأني وفاجأ الجميع بقصيدة نبطية مؤثرة في رحيل الفقيد فالح العساف.

وأقول لأخي أبو مساعد: استمر، فالموهبة إرث كريم، ويقال: اسأل عن المنسب ترا العرق جذاب .. وهو يعرف من أقصد .. 

بالأمس، حلت ذكرى رحيل صوت الأرض طلال مداح – رحمه الله وغفر له –

خمسة وعشرون عامًا مضت على وفاته، وما زال صوته الشجي يتردد في ذاكرتنا، يوقظ الحنين ويستحضر أيامنا الماضية مع أغانيه الخالدة.

طلال مداح، زارع الورد ومكتشف “زمان الصمت”، سكن وجدان الوطن والناس، وأوتار عوده هطلت بالحزن على تراب أبها، حتى أسلم الروح على مسرحها، وبين جمهوره، وفي قلب أبها التي أحبها وأحبته.

رحل جسده، لكن ألحانه بقيت بساتين لا تذبل في ذاكرة العاشقين.

رحم الله أبا عبد الله، وجعل مثواه الجنة.

قد أنسى مواقف وأتذكر أخرى.. جهلت حين ظننت أن النسيان أمرٌ يسير، فالحياة لا تُبنى على ما نمحوه من الذاكرة. وتعلمت من الاستذكار أن النسيان أصعب مما تصورت، إذ حفظت الدرس كاملًا وخرجت منه عارفًا بكل تفاصيل أبوابه ومداخله.

ومع ذلك، أدركت أن هذا الدرس قد لا يمنحني العلامة الكاملة، وأنني لا أملك فرصة للدور الثاني، فقد أضعت بعض مفاتيح الاستمرار، خاصة حين كانت سراديب الغموض أعمق من أن أصل إليها.

وعلى أي حال… لن أتحسر، ولن أندم.

لم أكن أظن أن باب حكاياتي سيفتحه قطّ !!. لكن قبل عام، هبطت في فناء منزلي قطة فاتنة؛ (هولندية العينين، شرقية الأبدان ومذهبها التطفّل اللطيف).

كنت أضع لها شيئًا من بقايا طعامنا، ثم أرفّه عنها بأصناف خاصة بالقطط من السوبرماركت، حتى صارت زائرة مألوفة.

لم أكن أعلم شيئًا عن مواسم ولادتها، حتى فوجئت ذات يوم بخمسة صغار، ألوانهم متنوّعة تبعًا لأنساب ذكور الحي .. فرحت لها وحرصت على أن تجد في فناء بيتي بيئة فاخرة وطعامًا مغذيًا. لكن الحظ لم ينصفها؛ فقدت اثنين، وبقي ثلاثة تملأ عيونهم الحياة، وامتلأت أكتافهم باللحم من خيري… عسى أن يكون ذلك في ميزان حسناتي.

لم نسمح لهم بدخول المنزل، وكانت التحايا بيننا وبينهم عبر النوافذ فقط. ومع الأيام، صار فناء المنزل من الأمام والخلف لهم وطنًا، والحارة ملعبًا، وحاويات البلدية موائد مشتركة مع قطط الجيران. وحين تمادوا في جرأتهم، صرنا نغلق الأبواب بإحكام عند الدخول والخروج.

حتى جاء ذلك اليوم… خرجت وأنا عليل الجسد، فتسابق الصغار إلى طرف ثوبي. اختلّ توازني، فسقطت على وجهي، وجرحت فوق عيني جرحًا احتاج ثلاث غرز في الطوارئ. عدت من المستشفى بقرار لا رجعة فيه: لقد آن أوان الرحيل.

استدعيت فرقة التدخل السريع لإبعاد الحيوانات المزعجة. جاءوا بخيشة وشبكة، وانطلقت معركتهم مع الصغار في غياب الأم، معركة كرّ وفرّ فوق الجدران وبين المزروعات، حتى انتهت بهم في الخيشة. 

عادت القطة من جولتها تبحث عنهم، ولم تجد سوى الفراغ، فملأت الفناء بمواويل الحزن. خرجتُ إليها أواسيها، أشرح لها بصوت لا تفهمه أنني مُرغَم، لا بطل، وحيّيتها تسعًا وتسعين تحية وأخرى على عجل… ثم غادرتُ وغادرت.

ومنذ ذلك اليوم، لم أرها.

لكن… بالأمس فقط، عادت “مزينة القطط” إلى فناء بيتي، كما لو أن عامًا لم يمضِ.

والآن عليّ أن أرى ما ستخبئه الأيام أو الشهور القادمة.

.

في خيالي واقف على سطح بيتنا الطين.. أراقب الأبواب والجدران اللي شابت من العمر، لكن ما شابت من الحنان.

أتذكر ريحة التراب بعد المطر .. وصوت جيراني وهم يتنادون من فوق الطواري

وين الشارع اللي كان يلمّ فرحتي؟ واليوم، ما عاد يلمّ إلا حزني

آه يا بيت المرقب، يا مربّى الذكريات، يا حضن الأمان

كنت صغير، بس الأمل في عيوني كان بحجم السما …والبيت رغم صِغره كان قلبه واسع يسع الدنيا بحنان أهله ..

اليوم الحنان موجود … بس ما هو نفس حنان أول، ولا المتعة هي نفس متعة أول ..

لك الله يا زمن أول.. يا دفء البدايات ويا بساطة الحياة.

اللهم ارحم والديّ رحمةً واسعة، واجعل قبريهما روضةً من رياض الجنة، واغفر لهما كما ربياني صغيراً.

اللهم اجزِ من سكن هذا البيت من الأحياء طول العمر في طاعتك، وارحم من سبقنا منهم إلى دار الحق، واجمعنا بهم في جنات النعيم بلا حساب ولا عذاب.

اللهم اجعل بيتنا القديم شاهداً لنا لا علينا، واجعل ذكرياته برداً وسلاماً على قلوبنا.

الأشبال بالأمس، كانوا ضحكات صغيرة تركض في فناء القلب، واليوم هم رجالٌ شامخو الهامة، تضيء وجوههم ملامح النبل. 

أبناء القربى، إخوة وأبناء أعمام وأخوال، تشابكت فيهم الدماء كما تتشابك أغصان الشجر في ظل واحد، سقوا طفولتهم من نهر المحبة الذي أجرته أمهاتهم وآباؤهم، ونصبوا لهم خيمة حياةٍ وارفة، تمتلئ باللقاءات وبمغامرات الطفولة في ديارهم الجنوبية، حيث الأرواح حية، والقلوب بيضاء.

واليوم، تفرّقت بهم السبل، كلٌّ في ميناء مختلف، لكنهم جميعاً يرفعون ذات الراية: يحصدون غرس التربية، ويزرعون الأمل في بساتين الحياة الهانئة. غير أن جذورهم تمتد عميقاً إلى بيت الجد أحمد بن عثمان آل عثمان، في بلاد حوالة، حيث كان الملتقى والمقر، وحيث السجلات تحفظ الحكايات، وحيث الحنان مكلَّل بالهيبة … كم كان عظيماً… رحمه الله رحمة واسعة.

هنا، صورة من عام 1997م،في بلاد حوالة – منطقة الباحة تجمع الأبناء … ثمانية وعشرون عاماً مضت، فأنضجت الوجوه بوقار الكبار، ومنحتهم كرم النبلاء.

الأسماء: من اليمين : سفر ، صالح وزياد أبناء سعد الله بن عبد الرحمن الغانم سلمه الله .. ثم عساف وصالح أبناء فالح بن علي بن غنيم العساف رحمه الله .. ثم أحمد ومساعد أبناء عثمان بن أحمد آل عثمان.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …