مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / في ذكرى يوم مولدي

في ذكرى يوم مولدي

غدًا إن عشت، فهو ذكرى مولدي في حساب الأيام والسنين، يوم التروية، الثامن من ذي الحجة من عام ١٣٧٨هـ. أكتبه لا تمجيدًا لماضٍ عشته، ولا احتفاءً بعدد السنين وحدها، بل حمدًا لله الذي كتب لي أن أحياها، وأمرّ خلالها بما أمرّ، وأتعلم منها ما تعلمت، وأدرك مع الأيام أن العمر ليس عددًا يمضي، بل نعمة تُستقبل بالشكر، وتُودّع بالرضا.

الحمد لله على لطفه وستره، وعلى رزقه وعيشي الكريم، وعلى ما أنعم به من صحة وهناء وسكينة في السريرة. أحمده سبحانه، وأؤمن أنه الخالق الرازق الكريم، وأن كل ما كان في حياتي إنما كان بمشيئته وحكمته وتدبيره.

حفظتني مشيئته سبحانه، فأكرمني بطيب العيش في بلادٍ فيها وُلد رسوله الكريم ﷺ، وتفضل عليّ بفضله الواسع بصحبة أناس كان لهم أثر في تكوين شخصيتي، وفي ملامح حياتي وتجربتي. لهم في القلب ودّ ومحبة وذكرى طيبة، وأسأل الله أن يجعلني عنده وعندهم ممن يُذكر بخير، وأن تكون سيرتي راضية مرضية له سبحانه.

في ذكرى مولدي لا أشعر أن الزمن أنقصني، بل أراه قد علّمني وهدّأني وقرّبني من فهم الحياة على حقيقتها. أتطلع إلى ما بقي من أيام، أو لعلها لحظات، والخيرة لله في البداية والنهاية. كما كان يوم مولدي بأمره، فسيكون يوم رحيلي بأمره، وما بينهما عمرٌ كتبه الله، فيه ما فيه من إحسان أو تقصير أو خطأ، وربي أعلم بي، وحسابي عنده يوم اللقاء.

لا أنتظر من أحد أن يفسر لي حياتي، أو يتوعدني بما أفعل وفق مبادئي التي آمنت بها، فالله وحده هو المحاسب، وهو الحكم العدل. لا أرجو من بشر أن يهبني قائمة مطالب أو ورقة غفران، فالغفران بيده سبحانه، والرحمة منه وحده. رضيت بالقضاء والقدر، وكان إيماني بالله عميقًا، وأسأله أن يثبتني عليه حتى ألقاه.

وفي كل لحظة أختلي فيها بنفسي، أعود إلى ركنٍ داخلي هادئ، وأدعو الله بقلب المؤمن العابد، كما قال سبحانه في كتابه المحكم:

﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

وفي ذكرى مولد الإنسان، لا بد أن يعود القلب إلى والديه. يتذكر أغلى اللحظات، وأصدق الكلمات، وأبقى الصور في الذاكرة. يتذكر من ربّيا ورعيا، ومن كانا بعد الله سببًا في وجوده وطمأنينته وبداية طريقه. فالوالدان في حياة الإنسان ظلال وارفة، وحنان كبير، وسند لا يعوّض، وذكراهما تبقى في القلب والجوانح ما بقي العمر.

رحم الله والديّ، وغفر لهما، وجزاهما عني خير الجزاء. فقد كانت ذكراهما في حياتي، باختصار، هي حياتي نفسها. عشت معهما، وتعلمت منهما، وعرفت من خلالهما أول معاني الرحمة والصبر والستر والرضا. وما زلت أرى أثرهما في داخلي، في كلماتي، وفي طباعي، وفي نظرتي للحياة والناس.

اللهم لك الحمد على ما كان، ولك الحمد على ما هو كائن، ولك الحمد على ما سيكون.

اللهم ارزقني الصحة والعافية، وحسن الختام على طاعتك، واغفر لي ولوالديّ، وأصلح لي في ذريتي، وارزقني رضاك والجنة، واجعل ما بقي من عمري خيرًا مما مضى.

غفرانك ربي ورحمتك، في الحياة الدنيا والآخرة.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

آبائي آل عثمان.. من ساحة العارض إلى دروب الرزق

في زمنٍ قديمٍ رُوي لنا، لم تكن ساحة العارض في مدخل قرية سِنان من ديار …