مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / نحن بين طهران و تل أبيب

نحن بين طهران و تل أبيب

منذ أن تمددت إيران في العواصم العربية، وشرعت في صناعة الأذرع المسلحة وتغذية الميليشيات العابرة للحدود، تغيّر ميزان الخطر في المنطقة. لم يعد التهديد مجرد خطاب سياسي أو شعارات ثورية، بل صار صواريخ ومسيرات وتدخلاً مباشراً في أمن الدول واستقرارها، حتى تجرأت تلك الأذرع على استهداف دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، رغم حرص هذه الدول على النأي بنفسها عن الحروب وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

ومن حق دول الخليج، في ظل هذا الواقع، أن تبحث عن أمنها عبر التحالفات والاتفاقيات والقواعد العسكرية التي تحمي أراضيها ومصالحها. فهذا ليس عدواناً على أحد، بل دفاع مشروع عن السيادة والوجود.

لقد تغيّرت معادلة الخطر. فإسرائيل، رغم احتلالها لفلسطين وممارساتها القاسية بحق الشعب الفلسطيني، لم تكن هي من أطلق الصواريخ على عواصم الخليج، ولم تكن هي من استهدف منشآت النفط ومصادر الرزق، ولم تكن هي من بنى الميليشيات لتطويق المنطقة من الشمال والجنوب. الخطر الذي طرق أبوابنا عسكرياً وأمنياً جاء من طهران، ومن حرسها الثوري، ومن عمائم قم، لا من تل أبيب.

دعمت دول الخليج القضية الفلسطينية لعقود طويلة، مالياً وسياسياً وإعلامياً، ووقفت في المنابر الدولية دفاعاً عن الحق الفلسطيني. لكن المؤلم أن هذا الدعم كثيراً ما قوبل بالجحود، أو بالمزايدات، أو بالتحالف مع خصوم الخليج، أو بسوء إدارة القرار الفلسطيني بين العنتريات والانقسامات وفوضى السلاح. ومع ذلك لم تتخلَّ دول الخليج عن الحق الفلسطيني، لكنها لم تعد تقبل أن يكون هذا الحق جسراً للطعن في أمنها أو التآمر عليها.

اليوم، الخطر الوجودي على الخليج ليس إسرائيل بقدر ما هو المشروع الإيراني. إسرائيل عدوّ محتلّ، وعداؤها مرتبط بالأرض والمصالح والسياسة، أما إيران فتريد أن تبسط نفوذها على العروبة كلها، بدوها وحضرها، عواصمها ونفطها وقرارها، تحت شعار ولاية الفقيه. هي لا تريد علاقة ندية، بل وصاية وهيمنة وتحويل الدول إلى ساحات تابعة.

طهران لا تحاربنا بحدودها فقط، بل بثورتها وأيديولوجيتها وأذرعها، وتستدعي التاريخ والجراح القديمة لتغذية مشروعها المعاصر. تستحضر كربلاء والقادسية لا للعبرة، بل للتحريض وإحياء الثأر السياسي والمذهبي. أما إسرائيل، على صغر مساحتها وقوة تأثيرها، فهي تدرك لغة المصالح وحدود القوة، وتعرف أن دول الخليج ليست ساحة سائبة ولا أرضاً بلا قرار.

والسؤال اليوم: من أثبت أنه أشد خطراً على وجودنا؛ طهران أم تل أبيب؟

هل نحني رؤوسنا لطهران لمجرد أنهم يرفعون شعار الإسلام، بينما صواريخهم تستهدفنا ومشروعهم يريد ابتلاعنا؟ وهل نبقى أسرى خطاب قديم لا يفرّق بين عدوّ يمكن التعامل معه وفق المصالح، وعدوّ يتربص بنا ليجعلنا ولاية تابعة في ليلة مظلمة أو تحت شمس ظاهرة؟

لسنا مطالبين بحب إسرائيل، ولا بتبرئة جرائمها، ولا بالتخلي عن الحق الفلسطيني. لكننا مطالبون بأن نقرأ الخطر كما هو، لا كما تريده الشعارات. فالسياسة ليست عاطفة مجردة، بل حساب مصالح وأمن ووجود.

وعليه، فقد يكون الصلح مع عدوّ واضح، مهما كان مُرّاً، أقل ضرراً من الارتهان لخصم مراوغ يلبس ثوب العقيدة، ويمد يده باسم الأخوة، ثم يطعن الجيرة، ويهدد الأرض، ويتربص بالدولة والقرار.

نحن اليوم لا نختار بين حبٍّ وبغض، بل بين خطرين؛ أحدهما يعرف حدوده، والآخر يريد أن يبتلعك باسم الدين والتاريخ والثورة.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

بلاش سياسة !

عندما يريد المرء أن يهرب من النقاش في شؤون السياسة، فإنه يلمّح، وربما يصرّح، بأنه …