الفصل الأول:
حلّ فصل الصيف، وبدأ صاحبنا يخطط للسفر بين ترددات أزمات العالم، وضيق الراتب، ورغبات النفس التي تراودها أحلام الترويح. ومن جهة أخرى، تقف مطالب الأسرة في الطابور نفسه: أبها، أو الباحة، أو الشرقية، وكلها وجهات بريئة لكنها ثقيلة على الجيب والمزاج.
كان عليه أن يختار بين سفرٍ محلي مع الأسرة، يذهب إليه على مضض، وبين “زرقة” خفيفة (إلى خارج المملكة)،أما العذر للعائلة فجاهز ومجهّز بعناية: رحلة إلى عرعر شمال المملكة بصحبة الزملاء. والحقيقة أن الكلمة التي تلمع في رأسه ليست عرعر ولا غيرها، بل تلك العبارة الساحرة التي يرددها أمام أصحابه في الواتساب:
(أنا خارج المملكة)
ثم يعود بعدها متباهياً:
(كنت خارج المملكة).
قرر صاحبنا الذهاب إلى كلا الخيارين.
الفصل الثاني:
بدأ الإجازة مع العائلة في أبها، وكانت رحلة ممتلئة بالنرفزة مع “الحرمة” و”البزارين”. كان يريد الوقت أن يمضي بسرعة، فهو يستعجل الرحلة الحقيقية؛ الرحلة التي سيذهب فيها وحيداً (إلى خارج المملكة). وبعد أيام من الغلاء، والتنابز، وتعذر السيطرة على النفوس، عادوا إلى بيتهم المستأجر في حارتهم الملتهبة بكل مشاكل الحياة. ومع ذلك، بقي القرار ثابتاً: لا بد من السفر (إلى خارج المملكة).
الفصل الثالث:
تقدم صاحبنا بطلب قرض من البنك، واشترى بنطلون رياضة، وشورتاً قصيراً، وبوت أديداس، وقميص “أبولو” مقلداً، ومحفظة يد، ونظارة سوداء. حلق السكسوكة، ولبس سوارة الاختفاء، ثم غاب عن الأنظار.
طموحه يكبر كل سنة، لكن أحواله لا تساعده بالقدر الكافي. همه الدائم أن يقول: (أنا خارج المملكة). في العام الماضي اختار البحرين، فهي أيضاً (خارج المملكة)، أما هذا العام فقد قرر الغزو لمسافة أبعد، بشرط أن تكون أرخص، وأمتع، وأكثر قابلية للتفاخر.
وصل إلى المطار، ودخل الصالة الدولية، وهناك شعر فجأة أنه ابن بطوطة. بدأ يتمايل مستعرضاً مشية مايكل، وكأن التاريخ ينتظره عند بوابة المغادرة. وفي الطائرة وجد رفاقه، وكلهم على شاكلته: نظارات سوداء، ووجوه متحمسة، واعتزاز داخلي بأنهم الآن في الطريق (إلى خارج المملكة).
قال في نفسه وهو ينظر حوله:
الطائرة كلها سعوديون!
أما الوجهة؟
فهي من الأسرار التي لا تُقال إلا همساً.
وفي مطار الوصول، رحب “أهل الأسرار” بمقدم القافلة السعودية، وتمنوا لهم طيب الإقامة، وكريم الدفع، كما كان آباؤهم يفعلون منذ زمن بعيد.
مضت الأيام، ثم عادوا زرافات ووحداناً. منهم من فقد بطاقته الائتمانية، ومنهم من سُرق جواله، ومنهم من اختفى بنطاله من غرفة الفندق، ومنهم من عاد وجسمه ملتهب من شاطئ الأسرار.
الفصل الرابع:
أما صاحبنا فعاد بعد أيام، ليبدأ رحلة أخرى لا تقل حرارة: التهابات الجسد، وأقساط البنك الشهرية، وحسابات الصيف القادم.وقد يضيق على أسرته في بعض الاحتياجات، وقد يؤجل طلباً مهماً في البيت، وقد يمر العام كله وهو يسدد ثمن تلك الأيام القليلة، لكن كل ذلك يهون أمام العبارة التي ترفعه في المجالس، وتمنحه هيبة المسافر العائد من المجهول:
(أنا كنت خارج المملكة).
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.