مقدمة:
ليس النجاح أن تستعيد ما فات، ولا الحكمة أن تتحسر على ما مضى؛ وإنما السعادة أن تؤمن بأن كل محطة مررت بها كانت بقدر الله، وأن كل ما بقي بين يديك اليوم هو الزاد الذي ستلقى به ربك. فالحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما أخذ، والحمد لله على ما أبقى، والحمد لله على حسن التدبير.
وحين يستعيد الإنسان رحلة حياته منذ طفولته حتى ما بلغ إليه من العمر، يكتشف أن محطاتها، وإن بدت كثيرة، فإنها في ميزان الزمن قصيرة كلمح البصر…
أما بعد:
حين يستعيد الإنسان رحلة حياته منذ طفولته حتى ما بلغ إليه من العمر، يكتشف أن محطاتها وإن بدت كثيرة، فإنها في ميزان الزمن قصيرة كلمح البصر. يولد في مكان، ثم يغادره صغيرًا دون أن يدرك لماذا جاء إليه ولماذا رحل عنه، ولا يعرف من حكايته الأولى إلا ما يرويه له الآخرون. ثم يكبر، فيجمع تلك الصور القليلة المتناثرة، ويضم بعضها إلى بعض، فتتكون أمامه ملامح طفولته، وكأنها قصة كتبها الزمن قبل أن يعي حروفها.
ثم تأتي مرحلة الشباب، وهي أكثر مراحل العمر اضطرابًا وتقلبًا. مشاهد متفرقة، ووجوه كثيرة، وأصدقاء وأقارب وعابرون مروا ثم مضوا، ترك كل واحد منهم أثرًا لا ينسى. أفراح وآلام، نجاحات وإخفاقات، زلات وعثرات، واكتشافات صنعت شيئًا من الشخصية. يتمنى الإنسان لو أنه دوّن كل تلك اللحظات في قصاصات تحفظها الأيام، لكن عجلة الشباب لا تمنح صاحبها وقتًا للتأمل، فيمضي كثير منها مع النسيان، ويبقى منها ما أراد الله أن يبقى ليكون درسًا أو نعمة أو عبرة.
ثم يدخل مرحلة الرجولة، فتغدو الخطوات أكثر اتزانًا، والقرارات أكثر وعيًا. يدرك أن الحياة ليست اندفاعًا دائمًا، بل مسؤولية تُبنى يومًا بعد يوم. تتغير المدن، وتتبدل البيئات، ويأتي أناس جدد يتركون بصماتهم في حياته؛ منهم من يقوده إلى الخير، ومنهم من يعلمه بالحكمة قبل التجربة. وهنا يبدأ الإنسان في بناء شخصيته بإرادته، مستعينًا بالله، وموقنًا أن ما قدره الله له هو الخير وإن خفيت حكمته.
وحين ينتصف به العمر، إن كتب الله له البقاء، تتبدل الموازين. يصبح العطاء أحب إليه من الأخذ، ويجد لذته في إسعاد غيره أكثر من إسعاد نفسه. يهب وقته وماله وخبرته لمن حوله، وتخف حرارة الحماس لتحل محلها سكينة المسؤولية. إنها مرحلة الرضا؛ حيث تتسع النفس، ويقوى الإيمان، ويصبح حسن الخلق رأس المال الحقيقي، فينعكس ذلك على علاقته بربه ثم بالناس.
ومع تقدم العمر، يكتمل في النفس معنى النضج. لا يعود الإنسان أسير ما فاته، ولا يطارد أمنيات الأمس، بل يحمد الله على ما آتاه، ويرضى بما قسمه له. يدرك أن ما مضى لن يعود، وأن ما ناله من خير إنما هو فضل من الله، وما فاته فبحكمة يعلمها سبحانه. فيقبل على حاضره بقلب مطمئن، لأنه يعلم أن هذا الحاضر هو الزاد الذي سيقف به بين يدي ربه.
وحينها تتجلى حقيقة الحياة؛ أنها لم تكن إلا رحلة بين ليل ونهار، وبين فرح وحزن، وبين عسر ويسر، وكلها كانت تجري بقدر الله ولطفه. فلا يبقى أجمل للإنسان من أن يلقى الناس بقلب سليم، وأن يكون سهلًا مع من سالمه، رحيمًا بمن أساء إليه، ودودًا لمن ابتعد عنه، عافيًا عمن ظلمه، محتسبًا أجره عند الله.
فالدنيا تمضي، ولا يبقى منها إلا أثر العمل، وصدق الخلق، ورضا المولى جل وعلا. فاللهم لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما منعت، ولك الحمد على ما قضيت وقدرت، واجعل خاتمة رحلتنا رضا منك، وحسن لقاء بك، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.