في عام 1983, أذكر بكثير من الإجلال والامتنان تلك العائلة الإنجليزية التي عشت في بيتها بمدينة (نورتش)، فقد كانت أياماً من أجمل ما عشته في الديار البريطانية؛ ليالٍ باردة، وصباحات غائمة، وخطوات يومية أمضي بها إلى مدرستي لتعلّم اللغة الإنجليزية.
كانت فرصة ثمينة أن أقترب من المجتمع البريطاني، ذلك المجتمع المعروف بدقة المواعيد والانضباط في تفاصيل الحياة. وكانت العائلة التي استضافتني عائلة إنجليزية كلاسيكية، في سلوكها وهدوئها ودفء تعاملها.
قابلت وجوهاً كثيرة، وكنت أبحث في كل وجه عن اختلاف، وألتقط من كل حديث كلمة أو تعبيراً يضيف إلى لغتي شيئاً من الجمال والأناقة. كانت عيناي شغوفتين بكل ما حولي، وكانت مشاعري تتقافز في شوارع المدينة الهادئة التي عرفتها مشياً على الأقدام، شارعاً بعد شارع، وزاوية بعد زاوية.
لم أكن أريد للساعات أن تمضي سريعاً؛ فقد كان في داخلي هدف يشغلني منذ وصولي بالقطار من لندن اليها، تلك المدينة (نورتش) التي أحببتها بعد أن أمضيت فيها مدة شهرين، تعرّفت على أشياء لم تكن مستقرة في ذهني من قبل، وشعرت بألفة محببة مع سيدة المنزل (باتسي) وأسرتها وضيوفها، ومع أهل المدينة، ومع مدرستي التي فتحت لي باباً جديداً على اللغة والحياة.
كنت أقول في نفسي: ما أطيب هؤلاء البشر، كأن فيهم شيئاً من صفاء الملائكة. كان الزمان مختلفاً، وكانت التجربة تتحدث عن نفسها بتلقائية، وتهب عقلي وروحي انفتاحاً أوسع، وتجعلني أدرك أن في الناس ثراءً للحياة، وتنوعاً خلاقاً لا يُقدّر بثمن.
تنقلت في اثنتي عشرة مدينة وقرية في بريطانيا خلال سنة ونصف هي مدة التدريب التي كانت بين المدارس المتخصصة في اللغة والإدارة والممارسة في مكاتب ومصافي البترول التابعة لشركة شل العالمية، وفي كل محطة كنت أرى وجوهاً مختلفة، لكنها متقاربة في اللطف والرقي وحسن المعاملة. لم يقابلني أحد بسوء، بل كان الاستقبال دائماً مريحاً، وكأنني واحد منهم.
إنها تجربة عشتها في زمن جميل بكل تفاصيله ومكوناته وشخصياته، زمن لا أتوقع أن يعود كما كان، لكنه بقي في الذاكرة مضيئاً، شاهداً على مرحلة فتحت لي نوافذ جديدة على الناس، وعلى التقاليد، وعلى معنى الحياة .. وكانت بدايتها مع (السيدة باتسي) .. أذكرها بالخير دوماً.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.