تخرجت من كلية الإدارة الصناعية بجامعة البترول والمعادن عام 1982، وكان تخصصي الرئيس السلوك التنظيمي (Organizational Behavior)، أما الاقتصاد فكان تخصصي الثاني. ويبدو أن أستاذ الاقتصاد – بحسن نية، وربما لأنه رأى فيّ مشروع اقتصادي ناجح – شجعني كثيرًا على هذا التخصص، حتى كدت أصدق أن مستقبلي سيكون بين الرسوم البيانية ومنحنيات العرض والطلب، لا بين الموظفين والملفات واللوائح.
لكن الله سبحانه وتعالى كانت له مشيئة أخرى، فساقتني الأقدار إلى مجال الموارد البشرية، وبعد هذا العمر الطويل لا أملك إلا أن أحمد الله أنني لم أمارس الاقتصاد مهنة، وإلا لكنت اليوم واحدًا من أولئك الذين يخرجون في القنوات ليشرحوا لنا لماذا حدث ما لم يتوقعوه بالأمس!
صحيح أنني درست الاقتصاد، لكنني مع مرور السنين اكتشفت أن ما تعلمناه في القاعات الدراسية شيء، وما يحدث في الأسواق شيء آخر. فالنظريات جميلة على السبورة، أما السوق فله مزاجه الخاص، لا يعترف إلا بمن يربح، ولا يواسي من يخسر.
وكلما استمعت إلى محلل اقتصادي ابتسمت. فإن أصاب في توقعه أصبح خبيرًا لا يُشق له غبار، وإن أخطأ قال بكل هدوء إن الظروف تغيرت، أو إن الأسواق فاجأت الجميع! وكأن السوق هو الذي اعتذر للمحلل، وليس المحلل هو الذي أخطأ في قراءة السوق.
وأكثر ما يحيرني، رغم أنني درست الاقتصاد، أن البترول، وهو مجرد مادة خام تخرج من باطن الأرض، يتحكم في نبض الاقتصاد العالمي، ويتذبذب أحيانًا وكأنه صندوق طماطم في سوق الخضار. فإذا ارتفع ارتفعت معه الابتسامات، وإذا انخفض تبدلت وجوه المحللين، وأصبح لكل واحد منهم تفسير جديد يناسب اتجاه السعر!
ثم اكتشفت أن أكثر الناس راحة ليسوا أصحاب التحليلات، وإنما أصحاب الأموال التي تزيد كثيرًا على حاجتهم؛ هؤلاء يخسرون اليوم ويعوضون غدًا. أما المسكين الذي وضع كل ما يملك في السوق، فهو أول من يتعرف على معنى القروض، وإعادة جدولة الديون، وربما يكتشف أن الاستثمار في ضغط الدم أسرع من الاستثمار في الأسهم!
أما أنا فقد خرجت بنظرية اقتصادية خاصة، لم أقرأها في كتاب، ولم أسمعها من أستاذ، وهي أن المال نعمة إذا كفاك، ونقمة إذا أصبح هو الذي يقود حياتك. فما أجمل أن يعيش الإنسان بما رزقه الله، لا أن يقضي عمره يطارد رقمًا كلما اقترب منه ابتعد أكثر.
ويبقى اعتذار واجب…
بعد كل هذا الحديث، أخشى أن يظن القارئ أنني أقصد كل المحللين الاقتصاديين، ولذلك أجدني مدينًا باعتذار لصديق عزيز ، وزميل دراسة في المرحلة المتوسطة والثانوية في الرياض ،أكن له كل التقدير، هو الأستاذ عمر باحليوه، رئيس ديوان الأعمال الأساسية للاستشارات الاقتصادية، وأحد الوجوه الاقتصادية المعروفة، والضيف الدائم على قناتي الشرق والعربية في تناول المستجدات والشؤون الاقتصادية.
والحق يقال إن الأخ عمر من القلة الذين أستمع إليهم باهتمام؛ لأنه يقدم رأيًا متزنًا، وتحليلًا متماسكًا، بعيدًا عن الإثارة والمبالغات. لذلك فإن سخريتي في هذا المقال ليست من علم الاقتصاد، ولا من رجاله المتمكنين، وإنما من ثقافة التوقعات التي قد تصيب وقد تخيب، ومن أولئك الذين يبدلون آراءهم أسرع من تبدل مؤشرات الأسواق.
وأخيرًا… أجدد حمْدي لله أن الاقتصاد بقي تخصصًا ثانيًا في شهادتي الجامعية، ولم يصبح مهنتي. ولو حدث غير ذلك، لوجد الصديق عمر باحليوه منافسًا جديدًا على الشاشات… لا يتوقع اتجاه السوق فحسب، بل يتوقع أيضًا أسباب خطأ توقعاته قبل أن يعلنها للمشاهدين.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.