في ليالي الرياض الصيفية القديمة، تلك الليالي التي كانت على قسوة نهارها ـ تهدأ في آخر الليل وتلين نسائمها، كنت أمد جسدي الصغير على سرير حديدي في سطح منزلنا، متغطياً بشرشف أصفر مبيض، مشجّر بألوان باهتة، كنت أراها في عينيّ عالماً من الزهور والخيالات.
لم يكن السطح مجرد مكان للنوم، بل كان سماءً مفتوحة للأحلام، ومدرسة صامتة للتأمل، ومسرحاً تتداخل فيه أصوات الليل مع نبض الطفولة.
وعلى وسادتي كان يرقد مذياعي الباناسونيك، ذلك الراديو المحمول الذي أهداه لي أحد أقاربي، فصار رفيق لياليّ، وصندوق أسراري، ونافذتي الصغيرة على عالم واسع لا أعرف حدوده. كان يجمع محطات الأثير، وبين أزراره كنت أتنقل كمن يسافر بلا جواز، أبحر في أصوات عربية، وأخرى أجنبية لا أفهم منها شيئاً، لكنها كانت تمنحني إحساساً بأن العالم أكبر من حارتنا، وأبعد من سطح منزلنا، وأعمق من خيالي الصغير.
كانت رائحة غلافه الجلدي تختلط برائحة الليل، والغبار الخفيف، ونسائم الرياض، وكأن لذلك الجهاز روحاً خاصة. كنت أدير مؤشر التردد ببطء، أبحث عن إذاعة صوت العرب، حيث حفلات شم النسيم الساهرة، ونشرات الأخبار التي كانت توحي بانتصارات قادمة، وأحلام قومية عريضة. أسمع أجزاء من خطابات عبد الناصر، وتعليقات أحمد سعيد، ذلك الصوت الحالم بالنصر حتى وهو يطل من زمن الهزيمة. لم أكن أفهم السياسة كما يفهمها الكبار، لكنني كنت أشعر أن وراء تلك الأصوات عالماً يشتعل بالأحلام والانكسارات.
لم تكن تستهويني أغاني أم كلثوم في ذلك العمر، فهي معشوقة من عرف الحب، وأنا لم أكن قد بلغت بعد شرف أن تكون لي معشوقة، ولو في الخيال. كنت أسمعها فأشعر أن كلماتها أكبر من عمري، وأن الانتظار واللوعة والعتاب أبواب لم أطرقها بعد.
أما عبد الحليم حافظ، فكان صوته أقرب إلى خفقان الصبا، فيه حيوية وفرح وانكسار جميل، يأخذني معه في “زي الهوى” إلى مساحات لا أعرفها، لكنها تشبه أحلام الفتى حين يبدأ قلبه يلتفت إلى الحياة.
وكان صوت فريد الأطرش، بحزنه الشجي، يوقظ في داخلي شيئاً لا أستطيع تسميته. حين ينادي: يا حبايبي يا حلوين، كنت أشعر أن النداء موجه إلى زمن غائب، وإلى قلوب بعيدة. وحين يهمس بأغنية الربيع، كنت أتساءل: أين هو الربيع؟ فأنا في الرياض، بين صيف حار، وشتاء قارس، لا أرى أزهاراً ولا وروداً إلا في صور كتب العلوم.
على صناديق الفاكهة عند الباعة في حلة القصمان. كنت أرى صور البرتقال والتفاح ولا أعرف شكل أشجارها ، وأتعجب من تلك الثمار التي تأتي من بلاد بعيدة. ولم أكن أعرف من مصر إلا “أبو صرة” الذي يحضر على بساط غذائنا، وتلك العنز المصرية التي كانت من ضمن الغنم التي يربيها والدي ـ رحمه الله ـ فوق سطح المنزل. كانت تتقاسم معنا المكان والهواء والرائحة، وكنا ننام أنا وشقيقي سعيد وقد تعودنا على رائحة روثها، وصوت ثغائها، وحركتها في الليل. لم يكن الأمر غريباً علينا، فقد كان والدي يقول لنا إن رعي الغنم سنة الأنبياء عليهم السلام، وإن كثيراً منهم رعوا الغنم، فكان يمنح ذلك المشهد البسيط معنى جليلاً، ويجعل من تلك الحياة المتواضعة امتداداً لسيرة مباركة.
ذلك السطح جمع فصولاً من عمري. في الصيف كان فراشي، وفي الشتاء كانت الشمس تمنحني دفئاً عابراً في ظهيرة باردة. وكانت هناك غرفة صغيرة بجانب السطح، أمضي فيها وقتي بين كتبي المدرسية، ودفاتري، وأحلامي التي كانت أكبر من جدران الغرفة.
وفي تلك الأيام الشتوية كان “البيدي الأبيض” حاضراً، ذلك الرداء الصوفي الأصيل القادم من بلاد بيدة في زهران العريقة، والذي ما زلت أحتفظ به حتى اليوم كجزء عزيز من إرث والدي.
ليس “البيدي” مجرد قطعة صوف قديمة، بل ذاكرة كاملة. فيه رائحة والدي، ودفء يده، وأثر رحلته الطويلة من ديارنا في الجنوب، إلى أبقيق، ثم إلى الرياض. ثقيل هو في حمله، لكنه حين يلامس جسدي أشعر بخفة روحية عجيبة، كأنه لا يدفئ الجسد وحده، بل يدفئ الذاكرة والقلب. ألتف به فأشعر أن الأبوة ما زالت حاضرة، وأن والدي لم يغب تماماً، بل بقي في خيوطه البيضاء، وفي رائحته القديمة، وفي صمته الوقور.
لقد حط ذلك “البيدي” رحاله في بيتنا، ثم بقي شاهداً على انتقالات العمر، حتى تكرم إخوتي عليّ بأن جعلوه من نصيبي، باعتباري أكبرهم، لأحفظه وأصونه كما يُحفظ الإرث، وكما تُحفظ وصايا الآباء الصامتة. وكلما نظرت إليه شعرت أنني لا أملك قطعة قماش، بل أمانة من زمن، وبقايا حضن، ورسالة حب لا تحتاج إلى كلمات.
كان راديو الباناسونيك بكل أثيره، و”البيدي” بكل صوفه وخيوطه، أجمل رفيقين لذاكرة الصبا. أحدهما كان يأخذني إلى العالم البعيد، والآخر يعيدني إلى حضن البيت ودفء الأب. الراديو كان صوت الخارج، والبيدي كان صوت الداخل. الراديو كان نافذة على الأغاني والأخبار والأحلام، والبيدي كان جداراً من حنان يحفظني من برد الليالي ووحشة العمر.
ضاع الراديو مع ما ضاع من أشياء الطفولة، وبقي “البيدي” وفياً لا يخذل الذاكرة. بقي صامتاً، لكنه يتكلم كلما لمسته. بقي أبي في صورته، وفي أثره، وفي رائحة ذلك الصوف الأبيض. كلما اقتربت منه شعرت أن والدي يصعد من خيوطه، لا جسداً، بل معنى وطمأنينة وذكرى.
رحم الله والدي رحمة واسعة، ورحم والدَيكم، وجزاهم عنا خير الجزاء. فقد رحلوا بأجسادهم، لكنهم تركوا لنا ما هو أبقى من الأشياء: تركوا الدفء، والبركة، والستر، والذكر الطيب، وتركوا في قلوبنا بيوتاً لا تهدمها السنين.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.