في أيامٍ متفرقة من حياتي، كنت كثير التطلع إلى آفاقٍ جديدة، أحاول أن أطرق أبوابًا مختلفة، وأتخيل نفسي في شخصيات متعددة، لعل إحداها تكون قدري الذي أبحث عنه. كانت الأحلام تتزاحم في رأسي أكثر مما تتزاحم في الواقع، وكلما هممت أن أسلك طريقًا، وجدت أن الطريق نفسه يعتذر لي بلطف ويقول: لست من أهله.
كانت أولى تلك الأمنيات أن أصبح تاجرًا، أو كما يقال في هذا العصر: رجل أعمال. كنت أتخيل المكاتب الأنيقة، والاجتماعات، وصفقات البيع والشراء، وأحسب أن الأمر لا يحتاج إلا إلى قرار وشجاعة. لكنني ما إن اقتربت من عالم التجارة حتى اكتشفت أنني رجل يصلح لكل شيء إلا أن يكون تاجرًا.
فالتاجر الناجح يرى الربح قبل أن يرى الطريق إليه، ويحسب المكاسب والخسائر بعينٍ لا تعرف كثيرًا من العواطف، أما أنا فكنت إذا هممت ببيع شيء بدأت أفكر في ظروف المشتري أكثر من تفكيري في مصلحتي. وإذا ساومت أحدًا انتهت المساومة غالبًا بالمجاملة، لا بالمكسب. ثم اكتشفت أن كثيرًا من رجال الأعمال يجيدون فنون العلاقات الاجتماعية، ويعرفون كيف يقدمون أنفسهم في المجالس واللقاءات، وكيف يلبسون لكل مقامٍ لباسه، أما أنا فلم أتقن يومًا أن أرتدي ثوبًا غير شخصيتي، ولم أستطع أن أضيف إلى هندامي شيئًا من النفاق الاجتماعي حتى أبدو مقبولًا عند الجميع. وهكذا انتهت رحلتي التجارية قبل أن تبدأ، وأيقنت أنني رجل… ولكن بلا أعمال، وتاجر… ولكن برأس مالٍ لا يعرف التجارة.
ثم راودتني أمنية أخرى، فقلت: لعل الفن التشكيلي هو عالمي الحقيقي. ذهبت إلى محلات الأدوات الفنية، واشتريت الألوان والفرش واللوحات، حتى ظننت أنني سأنافس كبار الرسامين، وأن أول معرض سأقيمه لن يجد الزوار مكانًا يقفون فيه من كثرتهم.
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. فكلما بدأت لوحة، انتهيت إلى معركة مع الألوان. الفرش تحتاج إلى غسل، والأصباغ تنتشر في كل مكان، وملابسي تأخذ نصيبها من الألوان أكثر من اللوحة نفسها، حتى أصبح مرسمي لوحةً من الفوضى قبل أن تكون فيه لوحة فنية.
وكنت أكتشف في نهاية كل محاولة أنني أرسم خارج إطار اللوحة أكثر مما أرسم داخلها، فقلت في نفسي ضاحكًا: ربما أنا من رواد المدرسة التي لا تعرف أين تبدأ اللوحة وأين تنتهي.
ثم أخذت أتأمل بعض المدارس الفنية الحديثة، فوجدت أن فوضى الألوان أصبحت عند البعض فلسفة، وأن الخطوط المتقاطعة والأشكال المبعثرة تحمل أسماءً كبيرة مثل “التجريدية” و”السريالية”. عندها أدركت أن بعض الناس قد ينجحون في إقناع الآخرين بعظمة اللوحة قبل أن تقنع اللوحة نفسها صاحبها، وأن خداع الموهبة أصبح عند بعضهم أهم من رسالة الفن وجمال معناه.
ولأن الإنسان لا يكف عن مطاردة أحلامه، انتقلت إلى عالم الموسيقى. اشتريت عودًا جميلًا، وكنت كلما نظرت إليه تخيلت نفسي أجلس في أمسية هادئة أعزف مقطوعة تطرب لها الآذان. قلت: الأيام كفيلة بأن تعلمني، وسأبدأ من الوتر الأول حتى أصل إلى الوتر السادس، وسأتعلم “دوسنة” العود كما يفعل المحترفون.
لكن الأيام لم تكن كافية، ولا الصبر كان حاضرًا، ولا الوقت كان كريمًا. ضاعت الريشة، وتقطعت الأوتار من كثرة العزف غير المنظم، وبقي العود صامتًا أكثر مما نطق. أما صوتي، فكان أوفى للواقع من الحلم؛ فقد أعلن منذ البداية أنه لا يصلح للغناء، وأن النشاز فيه أكثر حضورًا من المقامات الموسيقية.
فوضعت العود في زاوية من ديوانيتي، لا آلةً للعزف، بل تحفةً جميلة تذكرني بأن بعض الأشياء خُلقت للزينة عند أصحابها أكثر من استخدامها.
ثم قلت: لعل الشعر هو الميدان الذي سأجد نفسي فيه. بدأت أقرأ دواوين الشعراء، وتنقلت بين امرئ القيس وطرفة بن العبد، واستمتعت بحكمة زهير، وجزالة الفرزدق، وبلاغة المتنبي، وخيال أبي نواس، حتى خُيّل إلي أن شيئًا من أرواحهم قد يعلق بقلمي.
جلست لأكتب، وأمسكت الورقة بكل حماس، لكن أول قارئ لشعري كان أنا، ولم أستطع أن أقنع نفسي بما كتبت، فكيف سأقنع غيري؟
ولم تبلغ أبياتي شيئًا من روعة أولئك الكبار، ولا حتى ظلًا من ظلالهم. أعادني أبو نواس خجولًا، وأربكني الفرزدق بفخامته، وتركني امرؤ القيس أبحث عن مطلع قصيدة لا أملكه.
فقررت أن أعتزل الشعر قبل أن يعتزلني الناس. وقلت في نفسي: إذا لم أكن شاعرًا يحمل حرارة الصدق، فلا حاجة لي أن أكتب كلمات أبحث لها عن صورة امرأة مجهولة على غلاف مجلة حتى تبدو أكثر جمالًا. كان شعراء الأمس يعيشون قصائدهم، أما كثير من شعراء اليوم فيعيشون صور القصائد أكثر مما يعيشون معانيها.
وهكذا، بين حلم التجارة، وأمنية الرسم، ورغبة الموسيقى، ومحاولة الشعر، مضت سنوات من الأمنيات الجميلة، لكنها لم تكن قدري. لم أندم عليها، بل تعلمت منها أن الإنسان قد يطرق أبوابًا كثيرة، وليس شرطًا أن تفتح له جميعها.
أدركت مع مرور العمر أن الله سبحانه يزرع في كل إنسان بذرةً تناسبه، ويهيئ له طريقًا قد لا يكون هو الطريق الذي حلم به، لكنه الطريق الذي كُتب له. وأن العلم الذي درسته، والعمل الذي مارسته، والتخصص الذي بنيت عليه حياتي، كان هو الرزق الذي اختاره الله لي، فكان سببًا في حياة كريمة، وطمأنينة في النفس، ورضا لا تشتريه الأموال.
ولذلك أصبحت أنظر إلى تلك الأحلام بابتسامة، لا بحسرة. فما أجمل أن يحلم الإنسان، وما أجمل أيضًا أن يعرف متى يكتفي بالحلم، ومتى يرضى بما قسمه الله له.
إن الأحلام ليست كلها مشاريع يجب أن تتحقق، فبعضها وُجد ليمنحنا فسحة من الخيال، ويخفف عنا مشقة الطريق، ويجعل للحياة ألوانًا مختلفة، حتى وإن لم نعشها.
أما الرضا، فهو الحلم الوحيد الذي إذا تحقق، هانت بعده بقية الأحلام.
ولهذا، كلما وضعت رأسي على وسادتي، تركت لخيالي أن يسافر حيث يشاء، تاجرًا مرة، ورسامًا مرة، وموسيقيًا أو شاعرًا مرة أخرى، ثم أستيقظ مع أول خيط من الصباح، فأحمد الله على ما كتب، وأرضى بما رزق، وأوقن أن لكل إنسان رزقًا، ولكل إنسان طريقًا، وأن الأرزاق لا تختلط إلا بما وهبه الله لعباده، وأن أجمل ما يملكه المرء في آخر المطاف… قلبٌ راضٍ، ونفسٌ مطمئنة، وحمدٌ دائم لله على كل حال.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.