مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / مرة أخرى .. شهرزاد هذا الزمان

مرة أخرى .. شهرزاد هذا الزمان

عندما كانت شهرزاد تؤجل الحديث إلى الغد، ثم تسكت مع إشراقة الصباح، كانت تفعل ذلك لتدفع عن نفسها شراً أراد بها. لم تكن ترغب أن تكون في هذا الموقف، لكنها اضطرت إليه لتطيل عمر الحكاية.

ولا نعلم على وجه اليقين:

هل نجت من غرور شهريار… أم لا؟

تاريخ البشر مليء بالروايات، وبين مصدّق ومشكك تتناقل الأجيال القصص حتى تختلط الحقيقة بالخيال. وبعض الحكايات يزداد مع الزمن زخرفاً وتفصيلاً، حتى تصبح أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقع.

وفي مجتمعاتنا المعاصرة كثرت “شهرزادات”، نسمع منهن ومن غيرهن روايات لا تنتهي، يحمل كثير منها المبالغة والتهويل، حتى أصبحت تُرهق العقول وتستنزف الأذهان.

لقد أتقن بعض الناس فن السرد، وبرعوا في صناعة الكلام وكثرة الحديث، حتى أوهموا الآخرين بالحكمة والفصاحة والإصلاح، بينما كانت كلماتهم تفتح أبواب الجدل والفتنة.

ثم خرجت تلك الحكايات من المجالس إلى فضاءات التواصل، وأصبحت تنتقل كالتنانين في سماء الليل والنهار، ترسل حُمَمها إلى كل من يرفع رأسه إليها، فتشعل الجدل وتؤجج الخصومات.

أما “شهرزادات” هذا العصر، فقد منحتهم وسائل التقنية قوة لم تكن متاحة من قبل، فتحولت الحكايات إلى منشورات ومقاطع وتعليقات لا تنتهي، حتى ظن كل واحد منهم أنه شهرزاد زمانه، يملك الحقيقة ويرويها للناس.

لكن المفارقة أن شهرزاد الأولى كانت تحكي قصة واحدة كل ليلة، لتكسب بها ليلة أخرى من حياتها.

أما شهرزاد اليوم، فلا تكفيها قصة واحدة، بل تحتاج إلى ألف قصة في الليلة الواحدة، لتبقى حاضرة في دائرة الاهتمام.

وهكذا صار لكل زمان شهرزاد، غير أن شهرزاد الأمس كانت أسيرة قصر، أما شهرزاد اليوم فقد أصبحت حاضرة في كل هاتف، وموجودة في كل منصة، ومنتصرة في كل جدل.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

مشاهد من أمام مستشفى

في بعض المشاوير العابرة، تلتقط العين مواقف مؤسفة تحاول أن تتجاوزها، لا ضعفاً ولا قبولاً، …