مواضيع منوعة

قيد القُرب

في مسيرة العلاقات الاجتماعية، قد تضطر أحيانًا إلى اتخاذ قرارات صعبة، لا بدافع القسوة، بل حفاظًا على ما تبقّى من احترام النفس وراحة القلب. فقد تخفت مكانة بعض الأقارب أو الأصدقاء في نفسك حين تشعر، أو تتيقن، أنهم لم يعودوا يمنحونك ما تستحقه من تقدير واحترام.

وقد لا يكون السبب ظاهرًا أو محددًا، وربما يكون الأمر أبسط من كل تفسير: لم تعد تألفهم، ولم يعودوا يألفونك. ولا ضير في ذلك؛ فالعلاقات، مهما بدأت قوية، قد تتغير مع الزمن، والجميل أن يكون الفراق بإحسان، بلا خصومة، ولا تعليلات جارحة، ولا تحميل للنفوس ما لا تحتمل.

ليس في الانفصال ظلمٌ بالضرورة، ولا في الابتعاد خيانة كما يتوهم البعض. فالناس في هذه الحياة يقتربون ويبتعدون، يأتون ويمضون، وتبقى المعاملة الطيبة هي المقياس الأصدق. قد نكون أصدقاء منذ الصغر، أو أقارب يجمعنا الدم والذكريات، لكن ذلك لا يمنع أن تتغير الأرواح، وأن تختلف الطرق، وأن يصبح البعد أرحم من التصاقٍ متعب.

إن الاعتقاد بأن بقاء العلاقة واجبٌ دائم، وأن الفراق منكرٌ لا يُقبل، مقياسٌ مضطرب لا يصلح لكل الناس. فتعذيب النفس بعلاقة باردة أو مملة أو مؤذية ليس وفاءً، بل عبادة غير منضبطة لفكرة البقاء، حتى لو مات المعنى.

وقد تهبك الحياة أخًا أو أختًا لم تلدهما أمك، فيكونان أقرب إلى قلبك ممن جمعتك بهم صلة الدم. وقد تجد زوجة صادقة المحبة، تنسيك وحشة الدنيا، وتغدو أقرب إليك من كل الأهل؛ لأن القلوب إذا صدقت، صنعت قرابة لا تصنعها الأنساب.

فليست كل علاقة وُلدت معنا يجب أن تموت معنا، وليست كل رابطة بالدم أصدق من رابطة بالمودة. المهم أن نمضي بسلام، وأن نفترق بإحسان، وأن نترك للقلوب حقها في القرب والبعد، دون عتابٍ يجرح، أو وفاءٍ يتحول إلى قيد.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

رسالة أيقظت الذاكرة: رثاء متأخر في صديق العمر سمير المقرن رحمه الله

بالأمس في غفوة نوم عابرة، أيقظني صوت رسالة وصلت إلى بريدي الإلكتروني. تناولت جوالي على …