ليس كل من خرج عن المألوف صار استثناءً، فبعض الاستثناءات لا تحمل معنى، وبعض العادية أكثر حكمةً وصدقاً.
معظمنا يحمل سماتٍ طبيعية في ما يفعله ويمارسه في حياته اليومية. لدينا طاقة محدودة في تكويننا الجسدي والنفسي، لا تحتمل غالباً أكثر من استثناء واحد. فقد نرى رجل أعمال أو موظفاً ناجحاً في مجاله المهني، لكنه أقل نجاحاً في حياته الشخصية. وقد نجد لاعب كرة، أو فناناً، أو شاعراً متميزاً في موهبته، لكنه مرتبك الحديث أو مشتت الفكرة. كما قد يظهر مشهور في وسائل التواصل لأي سبب عابر، بينما تنقصه الثقافة والخبرة وعمق التجربة.
هذه الطاقة المحدودة قد تحاصرنا في زاوية ضيقة من السلوك، وتجعلنا نظن أننا لسنا مثل الآخرين، أو أننا غير قادرين على صناعة أي استثناء حقيقي في حياتنا. عندها نلجأ، ولو بقدر يسير، إلى تضخيم الذات، وإلى النزوع المصطنع نحو التميز، كما يروّج له منظّرو “الفرص السانحة” وباعة التحفيز السريع. فنجد أنفسنا، من حيث لا نشعر، ضمن القطيع ذاته: نصفه ممتلئ بالادعاء، ونصفه الآخر فارغ من المعنى. ثم نكتشف لاحقاً أن حياتنا صارت معلّقة بين معنى غامض، ومعنى باهت الملامح.
أما الأشخاص الاستثنائيون حقاً، فهم نادرون فيما يفعلون. ليس لأنهم يهربون من العادية، بل لأنهم يدركون قيمتها، ويملكون الشجاعة في تقبّل الحياة كما هي، دون زيف أو مبالغة. ومن هذه القناعة تنبع حيويتهم؛ فيثبتون أنفسهم بالعمل والإنجاز، لا بتأثير الآخرين، ولا بتقليدهم، ولا بادعاء التفرد.
قال تعالى:
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.