حين يصل الطلاق إلى مرحلةٍ حرجة، قد يراه الزوجان مخرجًا لا بدّ منه، رغم مرارته وثقل تبعاته. ومع تلاشي التوافق النفسي، تتجلّى حكمة الشريعة التي أرساها النبي ﷺ في قوله: «إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان». غير أنّ بعض حالات الانفصال لا تنتهي عند هذا الحدّ، بل تتحوّل إلى صراعٍ ممتدّ، تتفاقم فيه الخلافات، ويكون الأطفال أول ضحاياه.
في مثل هذه البيئات، تنشأ أنماط سلوكية مضطربة لدى بعض الآباء أو الأمهات، تتسم بالنرجسية أو تغليب الأنا، فتطغى المشكلات الشخصية على مصلحة الأسرة. وبدل أن يُطوى الخلاف بانتهاء العلاقة الزوجية، يستمر الصراع في صورٍ مختلفة، تتخذ من الأطفال وسيلة للضغط أو ساحة لتصفية الحسابات.
ومع تصاعد هذا التوتر، تتغذّى مشاعر الكراهية بين الطرفين، ويُستخدم الأبناء – الذين هم ثمرة تلك العلاقة – كأدوات غير مباشرة لإيذاء الطرف الآخر. وهنا تبدأ الآثار العميقة في نفسية الطفل؛ إذ يتراجع تقديره لذاته، وتزداد احتمالات القلق والاكتئاب، وتضعف ثقته بالآخرين، كما يختلّ فهمه للعلاقات العاطفية السليمة، ما ينعكس سلبًا على مستقبله النفسي والاجتماعي.
وقد يلجأ أحد الوالدين إلى تشويه صورة الطرف الآخر في ذهن الطفل، فيغرس فيه تصورًا مشوّهًا، ويُقدّم نفسه بصورة مثالية، في حين يُحمّل الشريك السابق كل الأخطاء. هذا السلوك لا يضرّ بالطرف الآخر فحسب، بل يُربك وجدان الطفل ويضعه في صراعٍ داخلي مؤلم.
كما تتولّد لدى بعض الأطراف مشاعر انتقام وكبرياء تعوقهم عن التنازل أو الاحتكام للمصلحة العليا، فيغيب الوعي بضبط السلوك، وتُهدر حقوق الأبناء تحت وطأة الصراع.
وفي ظل هذا المناخ، ينشأ الطفل على سلوكيات غير صحية؛ كالمجاملة القسرية، أو الكذب لإرضاء الطرفين، وقد يميل إلى أحد الوالدين طلبًا للحماية أو هربًا من ضغط أو عقاب، فيتحول هذا الميل إلى أداة خفية تُستغل في النزاع، بدل أن يكون ملاذًا آمنًا.
إن المطلب الأسمى في كل حالات الانفصال هو أن يعيش الأطفال في بيئة متوازنة، يسودها الأمان والاستقرار، وتُحاط بإطار من الالتزام الشرعي والقانوني. فالحضانة ليست أداة ضغط، ولا وسيلة انتقام، بل مسؤولية عظيمة هدفها حماية الطفل نفسيًا واجتماعيًا، ليكبر سويًّا، قادرًا على بناء حياته بثقة وطمأنينة.
إنها دعوة صادقة لكل أبٍ وأم: اجعلوا مصلحة أبنائكم فوق كل اعتبار، وكونوا لهم مصدر أمان لا ساحة صراع… فبهم تُقاس إنسانيتكم، وباستقرارهم يُعرف معدِنكم وبسلامهم يُكتب نجاحكم. والله المستعان.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.