مقدمة:
في مطلع شهر رمضان الماضي ، بادرتُ برسم لوحاتٍ لأقارب رحلوا عنا، مستثمرًا التقنية لإحياء صورٍ قديمة أكل عليها الزمن، فجاءت ردود الفعل مغمورة بالدعاء لهم والامتنان لهذه اللفتة الإنسانية.
غير أنني حين التفتُّ إلى صور الأحياء من محيطي( أمد الله في عمرهم على طاعة الله)، وجدتُ فتورًا غير مبرر، وكأن بين القلوب حواجز خفية تُثقل التفاعل، قد تصنعها حساسيات اجتماعية أو نوازع لا تُفصح عن نفسها.
ومن هنا تولدت فكرة هذا المقال، محاولةً لقراءة هذا الشعور بصراحة بعيدًا عن المثاليات… فماذا لو عاد الميت؟
المقال :
بعد موته نبدأ في كيل المديح والرثاء والترحم والغفران، عجيب كيف تنكشف المواهب والمكارم بمجرد أن يغلق المرء عينيه إلى الأبد.
كأننا نمارس رياضة جماعية اسمها “تلميع الراحلين”، فنُجيد التباكي ونستعرض الكلمات الثقيلة: كان رمزاً، كان طوداً، كان مدرسة. مع أنه في حياته ربما لم نجد فيه إلا “شخصاً عادياً” يمر بيننا دون أن نكلف أنفسنا حتى بسؤاله عن صحته. إنّه نفاق اجتماعي أن نُسرف في الثناء بعد الوفاة، بينما بخلنا بابتسامة أو كلمة طيبة وهو بيننا يسمع ويرى.
هذه الثقافة ليست جديدة، بل إرث قديم؛ نكرم الميت بأكاليل الكلام، ونهمل الحي حتى يذبل بصمت. هو رياء مكعب، وجهالة منطقية لا تقل عن إقامة حفل تكريم لإنسان بعد أن يُدفن، أو توزيع شهادات تقدير على جثة لم تعد تعرف القراءة.
المضحك المبكي أن كثيراً منا يفعل ذلك ليخدع نفسه أولاً: يوهمها بأنه إنسان طيب ووفِيّ و”يعرف قدر الرجال”، بينما الحقيقة أنه يمارس استعراضاً اجتماعياً رخيصاً. يسكب دموعاً أمام عدسات الهواتف، ويكتب رثاء طويلاً وهو لم يرسل رسالة عابرة في حياته يقول فيها: “كيف حالك؟”.
إنه نوع راقٍ من النفاق، مغلف بأدب العزاء و”واجب الحضور”، لكنه في جوهره إفلاس وجداني. نحن لا نكرم الميت حقاً؛ نحن نُسكن ضمائرنا ونحاول أن نغطي عورة جحودنا، ولو بكلمات تطير مع الريح.
ولو سُمح للميت أن يعود دقيقة واحدة فقط، ربما قال لنا بمرارة: “وفروا الدموع والكلمات، أعطوني نصفها وأنا حي؛ قبلة على جبين، أو دعوة صادقة وأنا أتنفس”. لكننا لا نسمع إلا حين يصمت الصوت للأبد.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.