قد لا نُحيط بحِكمة الباري سبحانه وتعالى في قصة المطر إحاطةً كاملة، لكن أرواحنا تدرك سرَّه قبل عقولنا. فما إن تبدأ السحب بالتكوّن، ويخترق السماء وميض البرق، ويتردّد صوت الرعد في الآفاق، حتى يتسلّل إلى النفس شعورٌ غامض بالطمأنينة، كأن القلب يعرف أن رحمةً قادمة في الطريق. ثم إذا هطل المطر واستقر في الأرض، شعرنا براحةٍ نفسية لا تُفسَّر، وسكينةٍ تتجاوز حدود المنطق، طاقةٍ يمنحها الله لعباده لتوقظ فيهم نشوة حبّ الحياة التي أحسن سبحانه صنعها وتقديرها.
المطر آية من آيات الخالق، رسالة سماوية صامتة لكنها بالغة الأثر، تُحيي النفوس قبل أن تُحيي الأرض. فترى الكائنات جميعها تشاركه فرحته؛ الطبيعة تكتسي حلّتها الخضراء، والهواء يصفو، وحتى في عالم الحيوان نلمح حركاتٍ عفوية تعبّر عن بهجةٍ خالصة، لا تقل صدقًا عن فرحة الإنسان. إنه احتفال كوني بالحياة، تُديره يد القدرة الإلهية بحكمةٍ واتزان.
المطر ينقّي ويُجدّد كل شيء في هذا الكون؛ يغسل وجه الأرض، ويغسل معه غبار القلوب، ويُعيد ترتيب المشاعر، كأنه وعدٌ جديد بالبداية. وقد يكون نزوله أو احتباسه اختبارًا من حكيمٍ عليم، يعلم أسرار الفصول ودورانها، ويعلم كذلك حاجات النفوس إلى التذكير والتجديد، حتى تتأهّب لزراعة الحياة في داخلها قبل ظاهرها.
الحياة بلا مطر جفافٌ يطال المخلوقات الحسية، وموحشةٌ في أعماقها، تدفع الإنسان إلى الالتفات للداخل، والعودة الصادقة إلى الله، طلبًا للغيث والرحمة. فالمطر ليس ماءً فحسب، بل معنى، وتذكير، ونفحة أمل.
المطر أجمل آيةٍ نتأمّل فيها قدرة الله على تحويل العدم إلى عطاء، ومن لا قطرة إلى قطراتٍ تؤنس الإنسان والأرض معًا. غيث السماء كأنه جُملٌ من كلماتٍ صافية، تهطل أولًا لتُنقّي الأجواء، ثم تستقر في الأرض فتُحييها. وليعلم الإنسان أن كل خيرٍ نازلٍ من السماء إنما هو للصلاح والتطهير، ليُدرك الخلق أن خالق الكون، المُهيمن على السماء والأرض، هو القادر على كل شيء، سبحانه وتعالى.
دعاء المطر:
اللهم أغثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، نافعًا غير ضار،
اللهم اسقِ عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلدك الميت،
اللهم اجعله سقيا رحمة لا سقيا عذاب،
اللهم أنزله بركتك، واصرف عنا بلاءك،
واجعل لنا فيه حياةً للقلوب قبل الأرض،
إنك على كل شيء قدير.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.