مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / رادار الذاكرة

رادار الذاكرة

جهات اتصالي يتناقص عددها كل أسبوع؛ ليس صدفة، بل بإرادتي بعد طول انتظار لعلّ بعض الأسماء تعود إلى الحياة. أسماء ساكنة لا تصدح ولا تتحرك، رتّبتها الحروف الأبجدية، وجمعتها السنين تحت وهم أن كثرة العدد تعني اتساع العلاقات، فإذا بالعمر يعلّمني أن البقاء ليس للأرقام، بل للوصال.

في القائمة أرقام لا أعرف أصحابها إلا من صور مبهمة؛ هذا يضع صورة طائر، وذاك صقراً فتاكاً، وآخر بلا صورة كأنه لا يريد لهويته أن تُعرف. وكل ذلك زاد قناعتي بترشيد القائمة، ومسح ما لم يعد له حضور ولا معنى.

بعض الأسماء الواضحة لا أتصل بها إلا عند وفاةٍ لتقديم واجب العزاء، أو عند مرضٍ للتمني بالشفاء، وغالباً يصل الخبر عبر رسائل واتساب وفيها أرقام التواصل. عندها أتصل، أؤدي الواجب، وينتهي الأمر دون حاجة إلى بقاء الرقم في ذاكرة الهاتف.

أما المفضلة، فقد خصصتها لمن بقي على وصال، ومن أخشى فقده. فيها أقرب الناس من أسرتي، ومن الأصحاب والأحباب الذين صار بعضهم أقرب من القريب. ثم جمعتهم في مجموعة واحدة بعد أن كنت أفصلهم إلى أقارب وأصدقاء ومعارف؛ فالحياة علمتني أن القرب لا تحدده القرابة وحدها، بل الموقف والوفاء وحسن التواصل.

هذه المجموعة أرسل لها مواد المدونة وقناة الواتساب، وأحدّثها بين وقت وآخر بحسب التفاعل والاهتمام، وأبقي بعض الأسماء احتراماً لمقامها، حتى وإن قلّ تفاعلها. وأحياناً أختار من أرسل له بحسب طبيعة المادة، ومعرفتي بذوقه وقبوله.

ورغم كل ذلك، ما زلت أسعد حين أتعرف على شخص جديد ينضم إلى قائمتي، مهما كانت الحاجة أو المناسبة. أقدّر التواصل في الأفراح والأحزان، وأؤمن أن الناس لبعضها، مهما فرّقتهم الأيام أو غلبهم النسيان.

يكفيني أن يبقى الإنسان على رادار المحبة؛ فقد يأتي يوم تتذكر فيه اسماً قديماً، فتفتح نافذة الود، وتقول له بتحية الإسلام:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دمتم متواصلين، محبين، قابلين للعذر، مقيمين للتسامح، فالتواصل لا يقاس بكثرة الأرقام بل بصدق الأثر.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

رحت يم الطبيب

تشرفتُ ـ بأمر الله ـ بالانضمام إلى النادي الكبير، النادي الثلاثي المتلازم: نادي السكري والضغط …