مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / رحت يم الطبيب

رحت يم الطبيب

تشرفتُ ـ بأمر الله ـ بالانضمام إلى النادي الكبير، النادي الثلاثي المتلازم: نادي السكري والضغط والكوليسترول. وقد أكرمني الطبيب المعالج، مشكوراً، بعمل ممر شرفي عبرتُ منه مباشرة إلى الصيدلية لاستلام “بطاقة العضوية” الجديدة، وهي مجموعة الأدوية اللازمة للمحافظة على توازن الجسم، بعد أن كنتُ قبل ذلك ألعب في دوري الدرجة الأولى لهذا النادي، أشبه بدوري “يلو”، أراقب من بعيد ولا أريد الصعود إلى الممتاز.

كنتُ قد تلقيت العلاج في مرة سابقة، ثم توقفت عنه من نفسي، بلا استشارة طبية، بعد تقاعدي وهدوء أعصابي وابتعادي عن ضغوطات العمل، وظننت أن الفريق الثلاثي قد هبط مستواه واستكان. ثم ألمّ بي عارض صحي قبل ثلاث سنوات، جعلني تحت إشراف دائم في غرفة المستشفى، وممنوعاً من كل ما يثير حماس هذا النادي الثلاثي، فاعتزلت الدواء حينها بعد أن استقرّت الأرقام عند حدود مطمئنة.

ثم “رحت يم الطبيب”، وعدتُ منه اليوم إلى خطة علاجية جديدة، هدفها ـ بعد توفيق الله ـ المحافظة على التوازن وعدم ترك الملعب مفتوحاً أمام السكري والضغط والكوليسترول يلعبون بلا حكم ولا صافرة.

وما إن بلغ الخبر أصحابي الأعزاء، وهم من المسجلين القدامى في هذا النادي ذي الشعبية الجارفة، حتى بدأوا ـ حفظهم الله ـ باستعراض تجاربهم، كلٌّ يحمل خطة لعب، وكلٌّ يرى نفسه مدرباً معتمداً من الفيفا الطبية. 

أحدهم قال: عليك بتكسير حبة المنظم ذات الألف وتقسيمها بين الصباح والمساء، رغم أن على غلاف الدواء مكتوب بوضوح: لا تُكسر. وآخر نصحني أن آخذ الحبوب قبل الأكل لا بعده، وثالث قال: امشِ واتبع الحمية واترك الدواء، ما دام السكر تحت 190 والضغط تحت 150. أما الكوليسترول فحدّث ولا حرج؛ فقد أوصوني بالجبنة والزيتون على نهج الشحرورة صباح، وكأن القلب لا يحتاج إلا إلى موالٍ خفيف وصحن زيتون.

أما الأعجب والأغرب، فكان من صاحب عزيز، لكنه من فئة اللاعبين المكابرين، قدّم لي مجموعة نصائح غذائية لا يعرف لها الطب باباً ولا نافذة. قال لي: الموز لا تأكله من رأسه، بل من مؤخرته! والعسل خذه بعد الفطور لا قبله! ولا تأكل التمر إلا مع الشمندر! ثم أكد لي أن كل ذلك لا يرفع السكر ولا يزعج الضغط ولا يحرّك الكوليسترول من مكانه وحين سألته عن معدل السكر عنده، قال بكل ثقة: يصل إلى 300 وما فوق، وهو يرفض دواء السكر! 

عندها أدركت أن صاحبنا ليس عضواً ملتزماً في النادي الثلاثي، بل مطرود منه بعد تراكم البطاقات الصفراء والحمراء، وربما لعب فترة قصيرة في الرديف ثم خرج من التشكيلة بسبب كثرة الاعتراض على المدرب والطبيب والحَكم معاً.

خرجتُ من هذه التجربة بحصيلة واضحة: لكل إنسان طريقته في التعامل مع هذا النادي الكبير وجماهيريته العريضة، لكنني قررت ألا أشارك أحداً في أهدافي الصحية، ولا أن أنصاع لخطط تعتمد على أهدافٍ بالتسلل، ولا إلى تكتيكات تقوم على الاستحواذ والمكابرة. فالطريق إلى المرمى لا يكون إلا بالعناية بالصحة، والالتزام بتعليمات الطبيب، والانتظام في العلاج، والأخذ بالأسباب بعد التوكل على الله.

أما مدربو اللياقة المثيرون للجدل، وأصحاب الوصفات العجيبة، فسأستمع إليهم من باب المجاملة فقط، ثم أعود إلى خطة المدرب الرسمي: الطبيب، فهو الأعرف بالملعب، والأدرى بحالة الفريق، والأقدر ـ بعد الله ـ على إبقاء المباراة تحت السيطرة.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

السيدة (باتسي) والزمن الجميل

في عام 1983, أذكر بكثير من الإجلال والامتنان تلك العائلة الإنجليزية التي عشت في بيتها …