مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / مشاهد من أمام مستشفى

مشاهد من أمام مستشفى

في بعض المشاوير العابرة، تلتقط العين مواقف مؤسفة تحاول أن تتجاوزها، لا ضعفاً ولا قبولاً، ولكن لأن في كل مجتمع بعض السلوكيات التي ما زالت تراوح مكانها، رغم اتساع الوعي وتطور وسائل التثقيف، ورغم ما نطمح إليه من رقيٍّ في الذوق العام واحترام حقوق الآخرين.

اليوم، عند وصولي إلى موعد في أحد المستشفيات، وبعد أن أوقفت سيارتي وترجّلت متجهاً إلى بوابة المستشفى، استوقفتني ثلاثة مواقف مؤسفة في مسافة قصيرة.

الأول: سيارة توقفت في موقف مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، دون أن يظهر عليها أي تصريح يدل على أحقية صاحبها بهذا الموقف. ورأيت سائقها يترجل منها، شاباً تبدو حركته طبيعية، لا توحي بعذر صحي أو حاجة ظاهرة، وكأن حق غيره أمر لا يعنيه.

والثاني: سيارة كادت تعيق عبوري، وهي تسير عكس اتجاه الطريق، مع أن علامة الاتجاه البيضاء على الأرض واضحة لا لبس فيها. مخالفة صريحة، واستهانة بسلامة الآخرين قبل النظام.

أما الثالث، فكان عند بوابة المستشفى، حيث رأيت رجلاً في منتصف العمر يمسك سيجارته، يسحب منها أنفاساً متعجلة قبل الدخول، ثم يرميها على الأرض ويدعسها بقدمه، في مشهد لا يليق بمكان عام، فضلاً عن كونه مستشفى يرتاده المرضى والمراجعون.

المؤسف أن أصحاب هذه المواقف كانوا من أبناء البلد، ممن يُنتظر منهم أن يعكسوا صورة راقية في السلوك، وأن يكونوا أكثر حرصاً على النظام والنظافة واحترام الآخرين. لكن يبدو أن هناك فئة ما زالت ترفض التحضر، ولا تريد أن تتعلم من تطور المجتمع من حولها. وربما تجد بعضهم في المجالس يتحدث عن الأخلاق والذوق والالتزام، بينما أفعاله في الواقع تكشف عكس ذلك.

إن مثل هذه التصرفات لا تسيء إلى أصحابها وحدهم، بل تشوّه المشهد العام، وتحرج المجتمع أمام نفسه وأمام الآخرين. فالتحضر ليس مباني عالية ولا طرقاً واسعة فقط، بل هو قبل ذلك سلوك، واحترام، وشعور بالمسؤولية.

ومع ذلك، يبقى الجميل في مجتمعنا أني صادفت من أصحاب الذوق الرفيع والقلوب الرحيمة، ممن يترجمون إنسانيتهم في مواقف عابرة لكنها عميقة الأثر. أرى أحدهم يفسح الطريق لكبير سن، أو يعين مريضاً، أو يبادر بكلمة طيبة قائلاً: السلام عليكم، أجر وعافية يا أخي.

ما أجمل هؤلاء، فهم يمثلون الجانب الإنساني العفوي النبيل في المجتمع؛ لا ينتظرون مقابلاً، ولا يبحثون عن ثناء، وإنما يرجون ما عند الله من الأجر، ويتركون في النفس أثراً طيباً حتى لو كانوا عابرين في الطريق.

وصدق من قال: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الصعاليك بين الأمس واليوم..

الصعاليك مفردةٌ عرفت طريقها إلى الوجدان العربي منذ العصر الجاهلي، حين أُطلقت على جماعات خرجت …