مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / أقلامي والناس

أقلامي والناس

أصفُّ أقلامي العتيقة أمامي في حافظة صغيرة، كما يصفّ بعض أصحاب القرار أقلامهم الجديدة اللامعة أمام عدسات العالم. 

غير أن الفارق بعيد بين قلمٍ يوقّع قراراً تنفيذياً في مشهدٍ استعراضي، وقلمٍ عتيقٍ ظلّ في جيب صاحبه أو على طرف مكتبه، شاهداً على محاولات الكتابة، وتردّد الخاطر، وارتباك الفكرة قبل أن تستقيم.

أقلامي ليست خارجة للتو من معملٍ فاخر، ولا تحمل اسماً شهيراً محفوراً على جسدها. بعضها جافّ، وبعضها سائل، وبعضها لا أعرف من أين جاءني: هل اشتريته في سفر؟ أم أهداه إليّ صديق؟ أم علق بي من مكتبٍ قديم؟ لكنها جميعاً تحمل شيئاً من عمري، ومن زمنٍ سبق الجوال حين كان القلم والورقة هما أول الطريق إلى الكلام.

ما زلت أحتفظ بدفاتر قديمة زرقاء(روكو)، من تلك الدفاتر التي كانت تشبه علب الذكريات. فيها بدايات كثيرة: صفحة مبعثرة، ثم صفحة أكثر ترتيباً، ثم محاولة أخيرة أفتش فيها عن سلامة اللغة؛ أين النصب؟ وأين الرفع؟ وأين الكلمة التي تحتاج إلى ضبط؟ وبعد ذلك أنقل النص إلى ساحته، أو أتركه في انتظاره، حتى يحين وقته ويستحق الخروج.

كان للقلم في زمنٍ مضى هيبة خاصة. وجوده في جيب الثوب علامة على الاستعداد، وربما على شيء من الثقافة أو الوقار. وكان التوقيع مهمة لا غنى عنها؛ حتى من لا يقرأ ولا يكتب كان عليه أن يصنع لنفسه توقيعاً، وأن يتعلم كيف يمسك القلم بثقة، ليضع اسمه أو علامته على ورقة بنك، أو شهادة حضور، أو صكّ محكمة، أو تعهد طويل الصفحات.

والعجيب أن القلم قد لا يساوي في ثمنه ريالاً واحداً، لكن ما يكتبه أو يوقّع به قد يكلّف صاحبه الكثير. فليست قيمة القلم دائماً في حبره، بل في الأثر الذي يتركه، وفي الالتزام الذي يجرّه خلفه. كم من توقيعٍ صغير فتح باباً، وكم من توقيعٍ أغلق باباً، وكم من قلمٍ بسيط صار شاهداً على قرار لا رجعة فيه.

والأقلام تشبه الناس؛ تختلف خطوطها كما تختلف طباعهم. منها ما يجفّ سريعاً، ومنها ما يفيض أكثر مما ينبغي، ومنها ما يترك أثراً أنيقاً، ومنها ما يخدش الورق ولا يكتب. لكن يبقى القلم الرصاص أقربها إلى القلب؛ لأنه يمنحك حق التراجع، ومساحة المسح، وفرصة أن تمحو ما لم تعد ترغب في بقائه.

ليت بعض الذكريات تُكتب بقلم رصاص، نمسح منها ما آلمنا، ونخفف من حدّة ما علق في الخاطر، ونطوي ما لا نريد الإفصاح عنه. غير أن الحياة لا تمنحنا دائماً ممحاة كافية؛ فبعض الحبر يبقى في دفاتر الأيام، وبعض الناس يمرّون في حياتنا كأقلامٍ جافة، وبعضهم يتركون في الروح توقيعاً لا يمحى.

تلك أقلامي، وتلك معانيها. ليست مجرد أدوات كتابة، بل مفاتيح صغيرة لدواليب قديمة، تختبئ فيها حكايا لم تنتهِ، وذكريات لا تزال تنتظر من يقرأها بهدؤ.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

تجربة مثيرة : عثمان وسط إضراب !!

في بدايات التحاقي بشركة مصفاة بترومين شل 1983, كانت لي رحلة تدريبية إلى بريطانيا ضمن …