مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / لستَ ساعي بريد !

لستَ ساعي بريد !

هناك أناسٌ يندفعون إلى ترديد كل قولٍ يصل إليهم، لا عن بصيرةٍ راسخة، بل بسبب نقصٍ في الوعي واضطرابٍ في المفاهيم. وما إن تجد بعض الحكايات طريقها إلى عقولهم حتى تسري في وجدانهم، وتتحول مع الوقت إلى وعيٍ داخلي يتلذذون بسماعه، لأنه يلامس شيئاً خفياً في صدورهم لا يستطيعون التصريح به مباشرة.

ولهذا يلجؤون إلى ما يمكن تسميته بـ “الوكلاء الصوتيين” في قاعات التواصل الاجتماعي؛ يستقبلون الرسائل المريبة بلا تردد، ثم يعيدون بثها من وراء ستار، مرفقةً بعبارات مألوفة مثل: “يستحق المشاهدة”، أو “أنصح بالاستماع”، أو “أرسلها لأكبر عدد ممكن”. وهكذا يتحول المتلقي، من حيث يدري أو لا يدري، إلى ذراعٍ ناقلة لفكرةٍ قد لا يعرف مقاصدها ولا خلفياتها.

وقد تمضي في هذا الطريق بحسن نية، ظاناً أنك تنشر نصيحة أو تدعو إلى الرشاد، بينما أنت في الحقيقة تصبح جزءاً من سلسلة إمداد لفكرٍ يناقض مبادئك وقيمك. فبعض العبارات تُقتطع من سياقها، وبعض المقاطع تُصاغ بعناية لتبدو بريئة، ثم تنتشر كما تنتشر النار في الهشيم، حتى يقع أثرها في النفوس قبل أن يدرك الناس حقيقتها.

والخطر لا يقف عند حدود الخطأ الفكري أو الأخلاقي، بل قد يتجاوزه إلى مساءلة قانونية. فقد تجد نفسك، بسبب رسالة أعدت إرسالها، متهماً بنشر فكرٍ هدام، أو مروجاً لمحتوى محظور، أو مرتبطاً ـ ولو من غير قصد ـ بجماعة أو توجهٍ لا تعلم عنه شيئاً. عندها لا ينفع الندم، ولا يشفع أنك لم تكن كاتب النص ولا صانعه؛ لأن إعادة النشر مشاركةٌ في الانتشار، والكلمة المنقولة لم تعد بريئة بمجرد أنك لم تكتبها.

صندوق الرسائل الذي بين يديك اليوم ليس مساحة عابرة، بل قد يتحول بحركة أصبعٍ واحدة إلى أداة تورطك فيما لا تحمد عقباه. وما تستقبله وترسله لم يعد أمراً شخصياً خالصاً، بل أثرٌ ينتقل، ومسؤوليةٌ تُحسب عليك. وحسن النية لا يكفي دائماً، فالقانون لا يعفي من يشارك في نشر ما يضر، بحجة أنه لم ينتبه أو لم يقصد.

لذلك، يا صاحب الصندوق، لا تكن ساعي بريدٍ لكل ما يصلك، ولا تسمح لأحد أن يجعلك حصان طروادة لأفكارٍ لا تعرف مصدرها ولا غايتها. تجاهل ما يريبك، وتثبت مما يصلك، ولا تعيد نشر ما لا تفهم مقصده أو لا تطمئن إلى مضمونه. وإذا عرفت أن مرسل هذه الرسائل مصرٌّ على بث الشبهات وتمرير الأفكار الهدامة باسم النصيحة والدعوة، فالحزم أولى: احجبه، وأخرجه من صندوقك، كائناً من كان.

فليعلم الجميع أنك لست ممراً آمناً للريبة، ولا وكيلاً مجهولاً لأفكار الآخرين، ولا صندوقاً مفتوحاً لكل من أراد أن يمرر ما يخجل أن يصرح به باسمه. رسائلك تمثلك، وإعادة الإرسال موقف، والصمت عن العبث أحياناً نجاة.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يا كتابنا أين أنتم من القصيبي …؟؟!!

في هذه الأيام، ومع كل ما يلامس أمننا الخليجي، لا نفتقد السلاح ولا الموقف… بل …