مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / بلاش سياسة !

بلاش سياسة !

عندما يريد المرء أن يهرب من النقاش في شؤون السياسة، فإنه يلمّح، وربما يصرّح، بأنه لا يتعاطى الخوض فيها، ولا يرغب في النزول قسرًا إلى دهاليزها المعقّدة. غير أنّني هذه المرّة لن أدخل قلب السياسة، بل سأحوم حول أسوارها، وأسترق السمع لما يُكتب عنها في الصحافة، وما ينقله الناس عن كتّابها، كلٌّ بحسب ميوله وعقيدته السياسية، التي قد يخفيها البعض تحت ستار: “فلان كتب”، أو “فلان أوجز”، أو “فلان قال المسكوت عنه”.

والحقيقة أنّ الكاتب والناقل قد لا يبلغان جوهر الحقيقة؛ فربما كان الكاتب يستعرض عضلاته، فيصيب حينًا ويخطئ أحيانًا، وربما كان الناقل ينتقي ما يوافق ما يضمره قلبه، ثم يعمّمه على الناس، لا رغبة في المعرفة، بل هروبًا من تكميم رأيه، أو بحثًا عن غطاء يمرّر من خلاله ما لا يستطيع قوله صراحة.

الكتابة السياسية، في أصلها، يجب أن تبدأ من رصد ما حدث؛ لأن ما حدث يستطيع كل إنسان أن يراه ويقيسه بعقله، لا بمقياس من يملي عليه القول، ولا بمنطق الشعبوية التي تجعل من كلام الناس مادةً جاهزة للكتابة. فالكاتب الذي يستعير فكرته من الشارع ثم يعيدها إلى الناس في ثوب مقال، لا يقدم جديدًا يستحق القراءة. وإن قُرئ، فذلك لأن القارئ وجد فيه ما يشبه النسخ واللصق، لا جهد الكاتب، ولا عمق التحليل، ولا قيمة الفكرة.

وليس عذرًا للكاتب أن تكون له زاوية يومية، فيضطر إلى رصّ الكلمات رصًّا، طالما عجز عن طرح موضوع ذي قيمة أدبية، أو فنية، أو سياسية. فالزاوية لا تصنع كاتبًا، كما أن تكرار النشر لا يصنع وعيًا.

وحين تتناقل وسائل الإعلام ما يكتبه كتّاب سياسيون في الصحف الأجنبية الكبرى؛ كـ واشنطن بوست ونيويورك تايمز في أمريكا، والغارديان في بريطانيا، وغيرها، فإنها غالبًا لا تنقل مجرد آراء عابرة، بل مقالات يكتبها أصحاب أعمدة لهم وزن سياسي، ورؤية تتجاوز التعليق على الحدث إلى محاولة فهم ما وراءه، واستشراف ما بعده. فهؤلاء لا يكتبون عمّا حدث من باب المجاملة أو تسجيل الحضور، بل يكتبون بنَفَس نقدي، وبقدرة على قراءة التحولات، والتقاط الإشارات، وربما التنبؤ بما سيحدث.

ولهذا نجد أن الساسة أنفسهم يقرؤون لهم، لا من باب الترف، بل للاستفادة من بصيرتهم، أو الحذر من تحليلاتهم، أو تحويل بعض أفكارهم إلى خيارات سياسية. أحيانًا تكفي كلمة واحدة في مقال رصين لتمنح صانع القرار مفتاحًا جديدًا للنظر، أو زاوية أخرى للفهم.

من هنا، فالكتابة السياسية فنّ لا يجيده كل من أمسك قلمًا وكتب ونشر. وليست المسألة في اللغة وحدها، ولا في الجرأة وحدها، ولا في كثرة النشر، بل في عمق الفكرة، واتساع الرؤية، ونزاهة التحليل، والقدرة على الفصل بين الانفعال والمعرفة.

ولعل المؤسف أن بعض ما نقرؤه في صحافتنا العربية من مقالات سياسية لا يتجاوز كونه مشاهد من حصة التعبير المدرسية؛ كلام مرتب، لكنه لا يقنع، ولا يشفع لصاحبه بأن يكون كاتبًا سياسيًا. وقد يكون كاتبًا اجتماعيًا جيدًا، أو ناقلًا لنبض الشارع، لكنه حين يلبس عباءة السياسة لا يمنحنا تحليلًا بقدر ما ينقل إلينا ردة فعل.

وأي شارع هذا الذي يُراد له أن يكون مصدر الرأي السياسي؟ فالشارع العربي، في كثير من أحواله، مشحون بالعاطفة، مثقل بالخذلان، ومندفع بردات فعل متشنجة، قد تقوده إلى حافة الهاوية، وربما إلى الهاوية ذاتها.

إن الكتابة السياسية الحقيقية ليست صدى للغضب، ولا ترجمة للانحياز، ولا تكرارًا لما يتناقله الناس في مجالسهم ومنصاتهم. إنها قراءة عميقة لما حدث، وفهم لما يحدث، واستشراف لما يمكن أن يحدث. وبين من يكتب ليملأ زاوية، ومن يكتب ليضيء زاوية، فرق كبير لا تخطئه عين القارئ الواعي.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الجانب اللغوي البديع في القرآن الكريم

تتجلّى البنية اللغوية في القرآن الكريم في أبهى صورها، فتأسر القارئ المتأمّل، وتدهشه بما تحمله …