كتب الأستاذ سعد الحارثي :
في هذه المدوّنة الراقية كتبتُ في تدوينة سابقة عن بداية بعثتي إلى أمريكا عام 1977، وتحديدًا رحلتي من جدة وصولاً الى هيوستن ثم إلى دينفر، وانتهيت بحادث إطلاق النار أمام الفندق. وصلنا يوم الجمعة، واضطررت للانتظار حتى الاثنين لإنهاء إجراءات الالتحاق بمعهد اللغة. وعندما طلبت سيارة أجرة أخبروني أن السائقين في إضراب، فاستدعى الفندق سيارة ليموزين يقودها رجل ضخم أفريقي نقلني إلى المعهد.
عند وصولنا لاحظ خلوّ المواقف فعاد ليبلغني بالإشارة أن المعهد مغلق ذلك اليوم بسبب أنه إجازة مجدولة. وكان ذلك استمرارًا لسلسلة صدمات جعلتني أفكر بالعودة للوطن.
عدت في اليوم التالي، فوجدت الحركة نشطة والطلاب يتوافدون، وبدأت الدراسة. وهناك تعرّفت على أحد السعوديين الذي قدّم لي معروفًا كبيرًا؛ رافقني إلى الفندق لأخذ أمتعتي المتواضعة، ثم ساعدني حتى حصلت على سكن داخلي وبطاقة الوجبات الشهرية. كان موقفًا نبيلًا لن أنساه له.
بعد أسبوع أمضيته في المعهد، وجدت نفسي وسط أعداد كبيرة من الطلاب العرب. حينها تساءلت: كيف سأتعلم اللغة وأنا محاطٌ بمن يتحدثون لغتي؟ فبادرت بالاتصال بالملحقية التعليمية بحثًا عن حل.
جاءني الرد من أحد الموظفين—وكان أجنبيًا—بلهجة ودودة (غامزة) قائلًا: “معظم معاهد اللغة يعيش فيها الطلاب العرب الوضع ذاته، وهذا هو ما يفضله بعضهم. لكن… إن أردت الفائدة الحقيقية، فابحث عن معهد يضم خليطًا من الجنسيات: صينيين، يابانيين، وأفارقة!! ستندمج معهم وتتحدث الإنجليزية دون أن تشعر.”،وأضاف بابتسامة يسمعها السامع: “وأنا أعرف معهدكم… سبق أن زرته!”
أنهَيت المكالمة وأنا أفكر بجدية في نصيحته. وعلى وجبة الغداء أخبرت صديقي الذي كان أول من استقبلني في المعهد بما حدث. فما كان منه إلا أن انفجر ضاحكًا ضحكة هستيرية، ثم قال:
“والله إنه صادق! نحن في المعهد نفكر كل يوم بالانتقال، لكن الأمور تمشي…إذا بغيت تجلس، المهم أنك تشغّل مخّك يا حارثي، واختر جيدًا من تصاحب من هذه الحديقة الكبيرة!”
كنت حديث السن، قادمًا من مجتمع لا يعرف كثيرًا من السلوكيات الجديدة التي أمامي، فلم أستطع المواءمة بسهولة. وبعد شهر كامل، وبالتنسيق مع الملحقية، انتقلت من ذلك المعهد إلى آخر في نفس المدينة وسكنت مع عائلة أمريكية: أب وأم وولدان في مقتبل العمر. وهناك… وجدت التغيير الحقيقي.
ساعدوني في كل تفصيل لتعلم اللغة والاندماج في الحياة الأمريكية، وبقيت معهم حتى اجتزت اختبار التوفل الذي فتح لي أبواب القبول في جامعة سان دييغو بولاية كاليفورنيا. ومع الوقت أصبحت—كما يقولون—“أمريكيًا أكثر من الأمريكان!”
وحين تذكرت المعهد الأول، أدركت أن بقائي هناك ربما كان سيُعيدني إلى السعودية مبكرًا، فقط لأنني اخترت طريقًا لم أكن أعرف عواقبه.
أما اليوم فأقول: الحمد لله الذي ألهمني الاختيار السليم، وأبعدني عن هوى النفس الذي قد يقودنا أحيانًا إلى طرق نندم عليها لاحقًا.
يتبع.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.