كتب الدكتور أسامة أمير من القاهرة :
أعتبر نفسي ذا حظٍ عظيم أن وفقني الله للالتحاق بالعمل في شركة ساسرف الحبيبة، تلك المحطة التي امتد فيها عطائي 23 عامًا بين ممارسة الطب وخدمة الزملاء حتى تولّيت إدارة الشؤون الطبية. وفي ذلك الزمن الطويل كنت أحضر حفلات الوداع لموظفين أفنَوا أعمارهم في العطاء، أحدّق في ملامحهم وهم يغادرون مواقعهم بثقة وهدوء، وأقول في نفسي: سيأتي اليوم الذي أُودَّع فيه كما يُودّعون. وجاء هذا اليوم بالفعل في أغسطس 2017، يومٌ جمع مشاعر الامتنان بالحكمة، وأيقظ داخلي الكثير من التأملات.
ورغم أن الوداع في مواقع العمل يحمل شيئًا من الحنين، فإن الوداع الأكبر – وداع الحياة – هو الأكثر حضورًا في ذهني. فقد شهدت بنفسي رحيل أحبّ الناس إلى قلبي؛ أخي العزيز وزوجته وابنتاه الذين اختارهم الله إثر حادث أليم عام 1984، ثم رحيل والدي عام 2018، ولحقت به الوالدة بعد أشهر قليلة، إضافة إلى آخرين من الأقارب والأصدقاء الذين تركوا في القلب فراغًا لا يسدّه شيء. وكلما وقفت في المقابر أتمتم بسؤالٍ لا يملك بشرٌ الإجابة عنه: متى يأتي اليوم الذي أُحمل فيه إلى هذا المكان؟ فهو يومٌ آتٍ لا محالة، لا شكّ فيه ولا مهرب منه. ويتردد في داخلي بيت الشعر:
“فإذا حُملتَ إلى القبورِ يومًا جنازةً
فاعلَم بأنك بعدها محمولُ”
لكن… وسط هذه التأملات القاسية، أدركت بعد مرور السنين أن للحياة وجهًا آخر لا ينبغي أن يُغفل. فالموت ليس دعوة للخوف، بل تذكيرٌ بأن العمر قيمة، وأن ما بين الميلاد والرحيل مساحة واسعة يمكن أن تُعاش بسلام ومحبة وعطاء. تعلمت أن وجودنا المحدود هو ما يمنح تفاصيل الأيام معناها: لقاء الأصدقاء، خطوات العمل، صحة الجسد، ضحكة الأبناء، وطمأنينة القلب عندما نصنع أثرًا طيبًا في حياة غيرنا.
كما أدركت أن الراحلين لا يأخذون معهم ذكرياتهم فقط، بل يتركون فينا نورًا يدفعنا لنكون أفضل. وأن ما نزرعه من خير يبقى، وأن المشهد في المقابر مهما بدا صامتًا يهمس لنا بأن نعيش أيامنا بوعي، وبنية صافية، وبقلب راضٍ.
إيه يا دنيا… كم تُظهرين من قسوة، وكم تُخفين من جمال.
ومع ذلك، فإن التأمل في النهاية يجعلني أكثر امتنانًا للبداية، وأكثر وعيًا باللحظة، وأكثر يقينًا بأن العمر – مهما طال أو قصر – يمكن أن يكون رحلة مباركة إذا ملأناها بالحب، وبالرضا، وبالسعي لترك أثر لا يزول.

مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.