تسارعت تطوّرات القرن الحادي والعشرين حتى صار الإنسان غريبًا في عالمٍ تدور فيه عجلة التقنية بلا هوادة، وتتسع فيه سماء الذكاء الصناعي، ويخطو الروبوت على الأرض متعلمًا ومستعدًا للعمل.
تقدّم مذهل، لكنه يضع الإنسان في حيرة كسب قوته، ويزيد همومه في واقعٍ فقدت فيه الإنسانية كثيرًا من معانيها تحت ظلال “حداثة” غلبت عليها التقنية وطرائق العيش الجديدة.
يتساءل الإنسان البسيط:
هل ما نعيشه اليوم محاكاة مُزيّفة فقدت الأصل والثمين؟
كيف أصبح كل شيء متاحًا للجميع، ولو كان مقلّدًا بلا روح؟
لقد بدأ الإنسان يأنس لكائنات جامدة لا قلب لها ولا نبض، لكنها تكلّمه بلغته، فيسألها وتجيبه. ولو اطّلع الفلاسفة والمفكرون في العصور الماضية على حال زماننا، لما أجهدوا أنفسهم في تدوين العلل وشرح الظواهر؛ فالأعمار قصيرة، والغيب يعلمه رب السموات والأرض.
في الأزمنة القديمة، كان الإنسان يستجلب السحر توهّمًا للتحكم في الطبيعة. ومع مرور الزمن، نسج المغامرات المعرفية في الفضاء والطيران وغيرها، حتى بلغ تحقيقًا فعليًا لأحلامٍ طالما راودته؛ بعضها نجح وطوّره، وبعضها فشل، لكن الإصرار على التمكّن أعاد النجاح بعد عقود. تبلورت العقلانية رغم تدخل الدين والسياسة، ورغم مقاومتهما للعلم والتفكير، إلا أن مسيرة الإنسان تجاوزت تلك الضغوط، وتحولت تأملاته إلى منهجية تقنية أفادته في السيطرة، والابتكار، وتيسير الحياة.
ورغم ما صاحب التقنية من تصدعات اجتماعية، وكوارث بيئية، وتنافس شرس على امتلاك ابتكارات المستقبل، إلا أنها سهّلت الحياة:
في السيارات والطائرات تقلّصت المسافات، وفي الطب وعلوم الأرض انكشفت الخفايا، وتعمّقنا في البحار وتحت الأرض.
لكن الإنسان – للأسف – استغل قدرته أيضًا في صناعة الأسلحة الفتاكة، فاشتد عناد الحروب.
ومهما اختلفت توجهاتنا، أو تباينت تجارب الأجيال التي لم تشهد هذه القفزات التقنية، فلن نستطيع مواجهة الواقع إلا بالحكمة، والإصرار على مواكبة العصر. فالإنسان يرى أن كل شيء ممكن، ويظل يحاول ويحاول، ويصر حتى على المستحيل، ليصنع منه واقعًا في زمن قادم.
الإنسان – في أفكاره وطموحاته وجلّ تناقضاته – هو الإنسان نفسه منذ البدء. مهما تضاعفت أعداد سكان الأرض، يبقى في جوهره صورة آدم وحواء: بأخطائه وحسناته، بغرائزه وأحلامه، بكل ألوانه عبر العصور.
يمضي ويموت… ويظل خلفه إنسان آخر يكمل المسيرة بالغريزة نفسها، حتى يبلغه الله أمرًا لا نعلمه ولا نقدره.
والله وحده العليم الخبير بهذا الإنسان.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.