كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”.
وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو ضاقت، لا تُقاس بطولها ولا بوعورتها، بل بمن يسير معك فيها.
فكم من طريقٍ بدا صعبًا حتى صاحبه رفيقٌ خفيف الروح، فصار سهلًا. وكم من طريقٍ مُعبّدٍ مستقيم أثقله جليسٌ لا يُعِين ولا يُؤنس.
فالرفيق هو ميزان الطريق، وهو مرآة المسار، وهو من يجعل الرحلة جديرة بالذكر أو جديرة بالنسيان. ولأن الحياة مليئة بالمفارق والطارئين والعابرين، كان لزامًا علينا أن نتروّى في اختيار من نُجلسه بجانبنا؛ فمنهم من يُطمئن القلب، ومنهم من يُشعل فيه ريبةً لا تنطفئ
للأصحاب طريقان لا ثالث لهما:
طريقٌ يذهب ويعود، كنبضٍ يعرف طريقه إلى القلب، تحفظه المودّة، وتسنده المبادرات الصغيرة التي تُبقي الجسور دافئة؛ فنجانُ قهوة، أو مشوارٌ قصير، فتذوب الظنون، وتتبدّد الشكوك، ويعود الصفو كما كان… طريقٌ يبقى لأن أصحابه يُبقونه.
والطريقُ الآخر اتجاهٌ واحد؛ تمرّ عليه وجوهٌ تطلب أن ترافقك قليلًا، فتمنحها المكان، ثم تكتشف في منتصف الطريق أنّها ليست لك ولا أنت لها… تنزل، وتختفي، وكأنها لم تكن. وأخرى تشير إليك فلا تستجيب، ويصرفها الله عنك، ولعلّ قلبك كان أصدق من رؤيتك؛ فالقلبُ دليل، والعين تأتي بعده لتشهد.
على الطريق، ليس المهمّ وعورته ولا سلاسته، ولا براعتك في القيادة…المهمّ من يجلس إلى جوارك.
فالقيادة الحقيقية ليست في إحكام عجلة السيارة، بل في إحكام اختيار الرفيق: من يُؤنسك، لا من يُثقل عليك؛ من يزيدك وضوحًا، لا من يثقب نافذتك بالشك.
ولذلك قالوا: احذر تسلم، ولا تركن لمن لا تعرف نيّته، وإن عرفتها ولم ترتح… فقل له بلطف:
“وصلنا هنا… تفضّل بالنزول.”
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.