مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / جنوب المملكة .. سردية تراث

جنوب المملكة .. سردية تراث

حكايات القرى الجنوبية كثيرة ومتشابكة، صنعتها الجغرافيا الوعرة التي تفصل بين القرى جبال وهضاب وأودية ضيقة. لكل قرية حِماها الذي تدافع عنه، ولطالما نشبت حروب بين الجيران بسبب حدود هذا الحِمى أو بفعل تحالفات قديمة تتوارثها القبائل جيلاً بعد جيل. وكثيراً ما اضطرت أسرٌ لمغادرة أراضيها إلى قرى بعيدة إثر ثأر أو خصومة، فينشأ لهم موضع جديد ينمو مع الوقت ليصبح قرية ثم قبيلة، ويُبايع لها شيخ يواجه به بقية التجمعات المتعصبة.

كانت الأرض ضيقة لكنها واسعة كأحلامهم، غنية لمن أراد أن ينتزع منها أملاً. ومع مضيّ الزمن تحوّلت مواقع في القرى إلى حصون وقلاع تحمي أهلها من غارات الأعداء وسرقة المواشي وحرق المحاصيل، وحتى من ثأر ينشأ بسبب خلاف بسيط في سوق أسبوعي من أسواقهم المشهورة. وقد امتلأت وثائق الصلح والمخطوطات القديمة بوسائل المحاسبة والعقوبات لكل واقعة بين القرى المتجاورة بل وحتى بين أهل القرية الواحدة.

ومن خلال هذه البيئة المتقاربة نشأت حكايات من أحداث واقعية في أصلها، ثم زيّنها الناس بمهارات السرد وما يضفيه الخيال من رموز تجعلها أمتع وأبقى. ومع مرور الأجيال أصبحت بعض هذه الحكايات قصصاً تُروى من أجل الوعظ، أو لبثّ الخوف، أو لإظهار تقلّبات الأيام ما بين الحرب والسفر ومواجهة الحيوانات المفترسة. وقد غلب على تلك الروايات حضور عالم الجن وهيمنته على الإنسان، وإبراز نماذج من الشجاعة والقوة لدى أبناء القرى، في صورة أبناء فتوّة يردّون العدوان ويزرعون الهيبة في محيطهم.

ولذلك يرى البعض هذه السرديات كنوزاً تاريخية يتداولونها كوثائق شفوية، بينما يحوّلها آخرون إلى قصائد شعرية لتثبيت الرواية وتخليد الحدث.

الخلاصة أن القصة ـ سواء كانت حقيقية أو خيالية ـ تحمل في جوهرها غاية الوعظ، أو التخويف، أو تثبيت الهوية والانتماء المحلي. وهي تراث إنساني يُتناقل بسردٍ حيّ، لا تُقاس قيمته بمقدار دقته، بل بقدر ما يتركه من أثر ومعنى في الوعي الجمعي.

وهكذا أصبح السرد القصصي في كل الحضارات وسيلة لبيان التاريخ، ومعرفة مصائر الشعوب، وسُنن الحياة.وستظل القصص تُروى ما دام البشر يتناقلون الذاكرة، وقد تحوّلت بعض التخيلات إلى أفلام تحكي رؤى المستقبل، لكنها ـ مهما تغيّرت أشكالها ـ تعود في أصلها إلى العبر التي حملتها القصص الأولى في كل الحضارات.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الحارثي .. ذكريات مبتعث – (2)

كتب الأستاذ سعد الحارثي : في هذه المدوّنة الراقية كتبتُ في تدوينة سابقة عن بداية …