تظلّ الكتابة فضاءً مفتوحاً لا تحدّه ضوابط صارمة، فهي صناعة تُنحَت فيها الحروف لتُبنى منها لغة ورؤى، ويظهر فيها الأسلوب الرشيق الذي يكشف ثقافة الكاتب ويستثير قارئه. وللكتابة ـ أكانت واقعية أم متخيلة ـ قدرة على خلق استجابة متبادلة بين الطرفين، كأن بينهما جسراً من المعاني.
وفي المدونات أو اليوميات تحديداً، ينكسر الميثاق التقليدي للكتابة؛ فهذه المساحة تمنح الكاتب حرية التعبير عن ذاته كما هي، وتسمح له بأن يبوح بما قد يخجل منه كثيرون شفهياً أو كتابياً. إنها مرآة داخلية تكشف ما بين طبقات النفس من مشاعر وأفكار، وتغازل القارئ بخيطٍ خفيف من الخصوصية.
المدونة نافذة مشرعة على الداخل، تتجلّى فيها (الأنا) بوضوح، وتتكثّف فيها الذاتية في سرد يومي قد يكون خاطرةً عابرة أو مشهداً شعورياً دافئاً. هذا السرد يجمع شتات الحياة في جُمل قصيرة، بعضها واقعي وبعضها يختبئ خلف رموز أو ألغاز تشير إلى فكرة أعمق.
وتعكس اليوميات صورة المدوّن في محيطه وعلاقاته، دون الحاجة إلى الغوص في البعد الفلسفي أو فحص الضمير. إنما تكشفه كما هو: إنساناً يعيش، يشعر، ويتفاعل.
ومع الاعتياد، تصبح كتابة اليوميات ممارسة يسيرة، حين تتشكّل الفكرة وتتهيأ الصورة، ويمنح المزاجُ الكاتبَ دفعة للتدوين. فهي صلة تصل المدوّن بمن حوله من أقارب وأصدقاء وزملاء؛ يتلقّون يومياته كمصدر إلهام أو مساحة اتفاق واختلاف، لكنه ـ رغم ذلك ـ يبقى مطالباً بالصدق والأمانة في نقل حالاته الإنسانية والعاطفية.
وعلى المدوّن أن ينظر إلى التدوين بوصفه ممارسة شخصية ومهارة يومية تحفظ التميّز، فمدونته ذاكرة صغيرة تستعيد القديم وتوثّق الجديد وتجارب الحياة.
وفي النهاية، ينبغي أن يكون نص المدوّن حميماً، مكتوباً بضمير المتكلم، بلغة بسيطة وعبارات قصيرة لكنها عميقة. يكتب من ذاته ولذاته، وفي محيط علاقاته، دون تبرير أو تصنّع. فالتدوين هواجس النفس وانطباعاتها، وأدبياته تقوم على الصدق والهدوء، بعيداً عن قلق المكاشفة أو جلد الذات، أقرب إلى الغفران والطمأنينة، والله من وراء القصد.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.