مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / إصلاح إداري طال انتظاره !

إصلاح إداري طال انتظاره !

كتبتُ هذا المقال في عام 2019م، وها أنا أعود إليه بعد ست سنوات لأجد أن الحال لم يتغير في تنظيم الموارد البشرية بما يرضي المواطن السعودي.أجريت تعديلات طفيفة على الأسماء والمصطلحات بما يتناسب مع المسمى الحالي للوزارة، لكنّ جوهر المشكلة ما زال على حاله. فضّلت إعادة نشر هذا المقال بدلاً من كتابة جديد، لأن الجديد لا معنى له في واقعٍ لم يتحرّك.

منذ زمن بعيد، يروي الشيبان رحمهم الله ممن عملوا في بدايات شركة أرامكو، أن نظام العمل والعمال آنذاك كان يُعرف ساخرين باسم «نظام العمى والعميان»، في إشارة إلى ضعف التنظيم وسوء التعامل من وزارة العمل آنذاك. وكأن العمى – في رأيهم – لم يكن جسديًا بل إداريًا، امتد أثره على منسوبيها.

واليوم، وبعد عقود، ما زال المشهد يؤكد ما قاله أولئك الأوائل، فالأبناء والأحفاد يرون ما رآه آباؤهم، وإن اختلفت المسميات. تغيّرت أسماء الوزارة مرارًا، من العمل إلى العمل والتنمية الاجتماعية، ثم إلى الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، لكن المضمون لم يتبدل كثيرًا.فالدمج بين “الموارد البشرية” و”التنمية الاجتماعية” جمعٌ بين مجالين مختلفين علميًا وعمليًا؛ كل واحد منهما يستحق أن يكون وزارة مستقلة بذاتها، لها أدواتها وإحصاءاتها وخبراؤها.

من هنا، أرى أن من الأجدر فصل التنمية الاجتماعية لتكون وزارة متخصصة، تركز على قضايا المواطن الاجتماعية والإنسانية. ومهما بلغ ذكاء الوزير ونشاطه، فإن تشعب المهام يجعل النجاح الحقيقي أمرًا صعبًا. فالوزارة اليوم منشغلة بملفات العمالة المنزلية واستقدامها بأعداد ضخمة، بينما نسب البطالة بين السعوديين ما زالت مقلقة. كما أربكها نظام الضمان المطوّر الذي أضرّ بعدد من المستفيدين بدل أن يحسّن أوضاعهم. وبينما تنشغل الوزارة بمكاتب الاستقدام ومشكلات العمالة المنزلية، يغيب عنها جوهر رسالتها: تخطيط وتنظيم وتوظيف الكوادر الوطنية.

في ظل هذا التشابك، ربما يكون الحل العملي هو إنشاء وزارة للعمالة الوافدة والمقيمين، تتولى شؤونهم وتنظيمهم بالتنسيق مع الداخلية ووزارة الموارد البشرية، بينما تتفرغ وزارة التنمية الاجتماعية لمهامها الإنسانية: رعاية كبار السن، ذوي الإعاقة، وحالات الضمان الاجتماعي بالتعاون مع وزارة الصحة. بهذا الفصل الواضح، يمكن قياس النتائج بدقة، ومحاسبة الجهات على أدائها بعيدًا عن التجميل الإعلامي والأرقام المضللة.

في السبعينات الميلادية، كانت رعاية الشباب مجرد قسم إداري ضمن وزارة العمل.لكن حين انفصلت وأصبحت الرئاسة العامة لرعاية الشباب، انطلقت بسرعة مذهلة، وتحوّلت لاحقًا إلى أحد أنجح القطاعات الحكومية وأكثرها تنظيمًا، حتى وصلت إنجازاتها إلى العالمية:تأهلت منتخباتنا إلى كأس العالم خمس مرات، وأصبح الدوري السعودي الأقوى إقليميًا والأكثر ربحية،وصارت منشآتنا الرياضية نموذجًا يُشار إليه بالفخر.

أكتب هذا المقال من واقع تخصّصي في إدارة الموارد البشرية، ومن حرصي كمواطن محبّ لوطنه على دعم رؤية المملكة 2030 التي يقودها بحكمةٍ وبصيرةٍ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله.

ما أطرحه ليس إلا رأيًا وطنيًا نابعًا من تجربة وصدق نية، أضعه على لوحة الاقتراحات الوطنية، مؤمنًا بأن الفكر الصادق – ولو لم يُستجب له – يظل حجرًا يُحرّك الماء الراكد. ولعل في هذا الطرح ما يفتح بابًا للتأمل، أو خطوةً نحو إصلاحٍ إداري طال انتظاره.

والله أعلم.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الحارثي .. ذكريات مبتعث – (2)

كتب الأستاذ سعد الحارثي : في هذه المدوّنة الراقية كتبتُ في تدوينة سابقة عن بداية …