أخي وشقيقي سعيد بن أحمد، شفاه الله وعافاه، منذ صغرنا كان متميّزًا بخروجه عن المألوف، يختار الهوايات التي تُشبهه في خصوصيتها وعمقها. لم يكن من عشّاق كرة القدم، ولا ممن يتابعون مبارياتها، حتى إنني لا أعلم إلى اليوم أيَّ نادٍ كان يشجّع — أهو هلالي أم نصراوي أم اتحادي؟ ولا أعرف الفنان الذي كان يميل إليه، أهو طلالي أم عبداوي؟
كان مولعًا بمشاهدة المسلسلات الأجنبية مثل بونانزا وطرزان والحصان فيوري والهارب، التي كانت تُعرض على التلفزيون السعودي في ستينيات القرن الميلادي الماضي. وكان شغوفًا أيضًا بمشاهدة الأفلام الأجنبية التي تُعرض في المساء المتأخر، ويتميّز بموهبةٍ فنيةٍ نادرةٍ في رسم الحصان بدقّةٍ واحتراف، يجسّد جاذبيته واتزانه وتناسق جسده على الورق، حتى كنا نطلب منه أن يرسم لنا على دفاترنا — وكان يفعل ذلك بمحبةٍ وإتقان.
ومع دخول الإنترنت والشبكة العنكبوتية، دخل أبو أحمد هذا العالم بحرفيّة، فأنشأ منتدى أثرب – بلاد حوالة، وكان سبّاقًا في عرض التاريخ المنسي لتلك الديار، بالصور والتوثيق والبحث.
دخل عالم المنتديات بصوتٍ قويٍّ وقلمٍ تفصيليٍّ رصين، رغم أنّه وُلد في ابقيق ولم يعش حياة القرية، إلا أنه تقرّب من أقاربه، واستفاد من رواياتهم وصورهم ووثائقهم، حتى أصبح علمًا يُشار إليه بالبنان في تلك المنتديات الصاخبة بتنوّعها وثرائها.
ثم تُوّج مجهوده الكبير بتأليف كتاب بلاد حوالة مع الأستاذين صالح بن عيدان ومحمد بن سهيل – حفظهما الله – وهو عملٌ شاملٌ عن ديار حوالة، سجّله ووثّقه في المكتبة السعودية، ووزّعه في المكتبات الكبرى داخل المملكة، بل ووهبه مجانًا لمتابعيه وأفراد قبيلته.تحمّل في سبيل ذلك الجهد والمال، ثم قدّم لاحقًا مختصراتٍ ميسّرةٍ بلغةٍ بسيطةٍ لتناسب النشء والقرّاء الصغار.
وفي الوقت ذاته، كان على صلةٍ وثيقةٍ بالإعلام المسموع والمقروء، من إذاعةٍ وصحفٍ سعودية، يكتب فيها عن الوطن، وينقل معاناة أهالي بلاد حوالة في قضايا السكن، وحماية الغابات، والتعديات، والمخططات السكنية.وكان لا يتوانى عن التواصل مع الجهات الحكومية المعنية لنقل مطالب الأهالي وتحقيق طموحاتهم. وقد أثمرت جهوده تلك في إقرار مخططٍ لبلاد حوالة، أسوةً ببقية قرى منطقة الباحة، وتم توزيعه بما تراه الدولة – رعاها الله – من مصلحةٍ وعدل.
ورغم ما واجهه من اعتراضاتٍ ومضايقاتٍ من بعض من كان يخدمهم، تحمّل وثبت وصبر، وواصل مسعاه بثقةٍ وإيمانٍ بصدق نيّته، فكان له ما أراد، وذكره الناس بخيرٍ كثير، ممن استفادوا من جهده وإخلاصه.
واليوم، وبعد رحلةٍ حافلةٍ بالعطاء، ابتُلي أخي سعيد منذ خمس سنوات بمرضٍ عضالٍ، أقعده على سرير المستشفى، حيث يرقد في مستشفى الحبيب بالرياض يعاني من مرض التصلّب الجانبي الضموري.نسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم، أن يشفيه شفاءً تامًا، وأن يُلهمه الصبر والعزيمة، وأن يجعل ما أصابه طهرةً ورفعةً في ميزان حسناته، جزاء صبره وإيمانه.كما نسأل الله أن يعين أسرته الكريمة، ويجزيهم خير الجزاء على ما يبذلونه من عنايةٍ ورعايةٍ له، وأن يكتب لهم الأجر العظيم على برّهم وصبرهم.
وما قلته في أخي وشقيقي سعيد ما هو إلا غيضٌ من فيض، وشيءٌ قليل من وفاء الشقيق لشقيقه.لم أكتبها مباهاةً، بل فخرًا واعتزازًا بإنسانٍ أعرف صدقه وسريرته، وأشهد له بأعمالٍ خيّرةٍ خالصةٍ لوجه الله.
لم يطلب ابو أحمد شكرًا ولا ثناءً، بل يكتفي بدعوةٍ صادقةٍ تُرفع بها كربته، وتُنير طريقه إلى رحمة الله ورضوانه.
نسأل الله أن يُحسن خاتمته وخاتمتنا، وأن يجعل نصيبنا جميعًا من هذه الدنيا طاعة الله ورسوله، والفوز بجنّةٍ عرضها السموات والأرض، في مستقرّ رحمته سبحانه وتعالى.وهو وحده الأعلم بما وراء القصد.



















وجه الخير والشيمة والشهامة .. رعاه الله بلطفه سبحانه
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.