مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / السعودية.. حين تتحول الحكمة إلى تاريخ

السعودية.. حين تتحول الحكمة إلى تاريخ

السعودية لا تدخل الأحداث لتُسجل حضوراً عابراً، بل لتصنع من كل حدث علامة فارقة في التاريخ. بحكمتها وسياستها المتزنة، استطاعت أن تكون الضمير الهادئ وسط ضجيج عربي لا يتوقف. لا مزايدات ولا عنتريات، بل مواقف صلبة تصدر عن عقل راجح وإحساس عميق بالمسؤولية.

منذ النكسة، والعرب يعيشون أسرى الصوت العالي؛ قمم ترفع الشعارات، وشعوب تتقاذفها الأحلام دون أن تجد أرضاً تستقر فيها. كل ما بقي هو ظاهرة صوتية تهتف للهواء، وتلعن “المؤامرة” في كل صباح ومساء. أما السعودية، فقد فهمت الدرس مبكراً: الصوت وحده لا يبني أوطاناً، ولا يرفع رايات، ولا يحفظ كرامة.

قدمت السعودية الحلول الممكنة، طرقت أبواب الحوار، مدت يدها لإطفاء الحرائق العربية، لكن ما وُجد في الجهة الأخرى كان آذاناً صماء وعقولاً غارقة في وهم البطولات المزعومة. هناك من يحلم أن ينهار الصبر ليمنحهم فرصة “استعراض” العروبة، لكن عروبتهم كانت دائماً ناقصة. أما السعودية، فصبرها لا ينفد، وبالها طويل، تُسامح لتُعطي درساً في الأخلاق والفروسية الحقيقية.

الأنظمة العربية تغيّرت بتسارع مذهل، لكنها لم تتغير نحو الأفضل. فشلت في بناء شعوبها، عجزت عن إقامة اقتصاد قوي، وأشغلت نفسها بحروب هوائية وخطابات نارية تزعم استعادة فلسطين، بينما فلسطين تُركت على الرف، شماعة تُعلَّق عليها كل مغامرة فاشلة.

وسط هذا التيه، تبقى الحنكة السعودية هي البوصلة. قيادة تعرف طريقها، تسير على خط واضح، وتُقنع العالم كله برزانتها وثباتها على المبدأ القويم. مبدأ لا يخدم السعودية وحدها، بل يخدم العالم والإنسانية، ويُعلي قيمة الاختلاف الهادف الذي يمجد الأمم ويُعلي الهمم.

السعودية تُثبت أن السياسة ليست حروباً كلامية ولا مغامرات عابرة، بل هي قدرة على جمع المختلفين حول مصالح مشتركة، وصياغة مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً. والسؤال الذي يظل مفتوحاً: متى يدرك العرب أن السياسة مهارة؟ وأن تجنب المخاطر يحتاج إلى روح قوية تحفظ الكرامة وتعيد الحقوق المسلوبة؟

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الحارثي .. ذكريات مبتعث – (2)

كتب الأستاذ سعد الحارثي : في هذه المدوّنة الراقية كتبتُ في تدوينة سابقة عن بداية …