في بلد يفيض بالفرص، يكتشف الشاب السعودي أن العقبة ليست قلة الوظائف، بل “الإبداع” في اشتراطاتها.
وظيفة تشغيل آلة نسخ؟ نعتذر، نحتاج بكالوريوس إدارة أعمال!
وظيفة إدخال بيانات؟ آسفون، مطلوب ماجستير تقنية معلومات!
هكذا يجد الخريج نفسه عاطلاً، فيما زميله الوافد يُقبل بابتسامة وبشروط أخف.
الوزارة المعنية بتوظيف السعوديين تبدو منهمكة جدًا، لكنها ليست منهمكة بنا. فهي تقضي وقتها في متابعة استقدام العمالة الوافدة وتجديد عقود السائقين والخادمات، بينما شباب الوطن يصطفون في طابور البطالة حاملين شهاداتهم كأثقال على أكتافهم.
تخرج التصريحات الصحفية مزخرفة بالأرقام: “انخفضت البطالة بنسبة كذا” و”ارتفعت فرص العمل بنسبة كذا”. لكن حين تسأل شابًا يبحث عن وظيفة منذ سنوات، ستكتشف أن هذه الأرقام لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي أقرب إلى مساج رقمي يخفف القلق ولا يعالج المرض.
هل تحتاج وظيفة موظف استقبال إلى شهادة جامعية؟ بالطبع لا.
هل يمكن توظيف شبابنا في وظائف تشغيلية بدلًا من الاعتماد على الوافدين؟ نعم، وبكل سهولة. لكن يبدو أن البساطة ليست ضمن قاموس بعض الشركات، ولا ضمن أولويات الوزارة.
رؤية 2030 تراهن على المواطن كأعظم مورد، لكن المواطن نفسه ما زال آخر من يعلم حين يتعلّق الأمر بالوظائف. يُطالبونه بالمؤهلات العليا ليشغل مقعدًا يمكن أن يملأه بخبرة بسيطة، بينما السوق مفتوح على مصراعيه لغيره بلا شروط ولا تعقيدات.
في النهاية، لا مشكلة في أن يطلب القطاع الخاص شهادة دكتوراه لوظيفة “مساعد إداري”، أو يشترط خبرة عشر سنوات لتعبئة استمارة إلكترونية، فهذا ديدنه منذ عقود. المشكلة أن هذه الشروط غير المنطقية تُعطّل أهم مورد وطني: شباب وشابات هذا الوطن.
ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على رؤية 2030 التي رسمها بحكمة وإصرار سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله – لتفتح الأبواب المغلقة، وتعيد ترتيب الأولويات، وتجعل توظيف السعوديين ليس خيارًا جانبيًا، بل أساسًا للتنمية الحقيقية. فالرؤية واضحة، والطموح عظيم، وما نحتاجه فقط أن تواكب بعض الوزارات والقطاعات هذا الطموح بدل أن تبقى أسيرة “المؤهلات الورقية” و”الأرقام التجميلية”.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.