محبة الصاحب في حياته، والوفاء له بعد مماته، عهْدٌ عالق في رقاب الكرام، ووصية أوصانا بها النبي الأمين ﷺ. غير أنّ بعض الأبناء يُديرون ظهورهم لأصدقاء والدهم إذا غاب، كأنّ الموت طمس أثر الودّ، ونزع من قلوبهم خيط الرحمة.
لكن الجفاء ليس نسيانًا، بل هو قصورٌ في وعيٍ لم ينضج بعد، وغفلة ستوقظها الأيام بمدارجها القاسية. وربما يفيق الشاب بعد أن تمسّه التجربة، فيستعيد نهج أبيه، ويعيد للخيط المقطوع بعضًا من دفء الوصال.
نُعزّي أنفسنا في أحباب رحلوا حين نرى ورثتهم أوفياءً لذكراهم، لكن ما أشدّ وقع الخذلان حين يذبل هذا الوفاء، ويخبو خيرٌ كنا نتوسمه. فالقيم لا يطويها الموت، بل تظل ممتدة كالنهر، من جيلٍ إلى جيل. ومن خان أمانة الوصل، فقد غُرّ ببهرج الدنيا، وقَصُر عن أبسط درجات الوفاء.
ولذلك نوصي أبناءنا دائمًا: من لازمنا وعاشرنا فأكرموه، التكريم يكون بالمحبة، والاتصال، وحفظ الذكرى. فإن قصرتم، ستبكيكم دروب الزمان، وتعودون بعد فوات الأوان تبحثون في أرشيف والدكم رحمه الله، لتروا من كانوا أحبابه، ومن مرّوا في حياته مرور الظلال. وستعلمون يومها أن الوفاء الذي أهملتموه، كان ميراثًا أثمن من المال، وأنّ وصال الأحباب بعد موت والدكم، كان امتحان إنسانيتكم، فخذلتموه.
فاصلة:
حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي ﷺ قال: إن أبر البر أن يصل الرجل ودَّ أبيه.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.