مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 6

يوميات عثمان 6

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

بطارية هاتفي تذوب بسرعة حتى أضطر لشحنه مرتين في اليوم، وكأن الجهاز يلتهمني بقدر ما أستخدمه. بين تحسين موقع المدونة، وإدارة حساباتي في يوتيوب وتيك توك، والرد على الرسائل، صار تطبيق Notes دفتري الأزرق الجديد الذي استبدلت به القلم والورق.

أضيف إلى ذلك تطبيقات التصاميم، واللابتوب والجوال أمامي طوال الوقت، أستريح قليلاً وأغفو بينهما، ثم أعود لأكمل يومي. حتى المكالمات مع الأحبة تطول لقرابة الساعة، والتلفاز له نصيبه أيضاً. حواسي كلها باتت تتحرك بين أصابعي ونظري وسمعي، لتصنع عالمي اليومي بلا مشقة.

لكن في أعماقي، أشعر أن الهاتف بدأ يلتهمني فعلاً، ولم أعد أملك مقاومة. هذه هي متعة التقنية وعذابها معاً. لم يعد التقاعد مملاً، ولا العمر عائقاً عن الاستمتاع بالعصر الرقمي والانشغال به، بل صار وسيلة لطرد شبح الزهايمر وحماية لحظاتي وثقتي بنفسي.

صباح اليوم التقطت هذه الصورة من سوق البلح، حيث امتلأت الأرفف بألوانه وأشكاله الطازجة. في الصيف، يظل البلح بطعمه الحلو ونكهته الخاصة زينة موائدنا، رغم أن الموسم بدأ يميل إلى الانحسار.

الإقبال عليه يجعلك تتمنى أن تبدأ صباحك بزيارة السوق، لتشاهد حركة وصوله مبكراً إلى المحلات. الحمد لله على هذه النعمة التي أكرم الله بها صحراءنا بنخيلها، وعلى جهد المزارعين والعاملين الذين يسهرون على رعايته وجمعه وتسويقه.

كل ذلك تحت عين الرقابة والحرص على الجودة، في سبيل صحة الناس وبهجة موائدهم. نعمة تستحق الشكر والحمد لله دائماً وأبداً 🌴🤲.

للصور القديمة وقعٌ خاص على النفس في كل الأحوال. فقد تكون لقطة لفقيد نفتقده فنستحضر ذكراه، أو يتعرف عليها جيل لم يره من الأقارب فيكتشف ملامحه لأول مرة. والحصول على مثل هذه الصور لقريب كان حاضرًا في اللقطة يُعد كنزًا مفقودًا، إذ قد تخرج فجأة من بين ألبومات قديمة أو أوراق احتُفظ بها لسنوات طويلة، فتظهر لنا محملة بالأشجان والفرح كإرث متوارث بين الأجيال. أحيانًا تفاجئنا هذه الصور وكأننا حصلنا على وثيقة نادرة.

ما هذه الصورة النادرة فهي من حساب أبي باسل، وتجمع الوالد والعم سعد الله بن عثمان آل عثمان رحمه الله، برفقة الإخوة الأفاضل صالح بن عميش وسعيد بن غرم الله حفظهما الله. قمتُ بتحسين ألوان وصفاء ملامح عمّي رحمه الله، وجمعتها في لوحة واحدة، لتكون مشاهدة ماتعة وذكرى خالدة لكل من أحب أصحاب هذه الصورة الفريدة.

هذا الصباح كان مختلفًا؛ غيرتُ وجهتي من صخب الشاطئ إلى هدوء منتزه الأندلس المجاور ، حيث البيوت تحيط بالمكان وتغمره المناظر المطمئنة.

في باكر النهار، يلين وهج الحرّ ويغدو النسيم أكثر دفئًا ورقّة .. أوقف محرك السيارة، وأبدأ السير على الأقدام بين الزهور والمساحات الخضراء، وتحت ظلال الأشجار الوارفة.

لا أحد يقطع سكون الممشى، ولا عين تصادفني سوى ظلي المرافق وخيالي الهادئ، فيتناغم صمت المكان مع صفاء الروح.

صباحكم سكينة، وصباحكم أنس وهناء.

أسعدَ الله جميع أوقاتكم 🌸

بين تلك الصورة الوُسطى واليوم ما يزيد على خمسين عامًا، يوم كنا في أحد مقاهي الرياض، بصحبة الأخ العزيز والنسيب الغالي شرقان بن عبد الله الغامدي.

كان أبو وليد حفظه الله من أوائل الرفاق الذين ازدانت بهم مرحلة الشباب، ومن الذين فتحت معهم أبواب المعرفة بالحياة ونحن في ذلك العمر الغضّ، حين كان كل شيءٍ يبدو أكبر منّا وأجمل.

كانت أيّامًا نديةً بالمرح والصفاء، مضتْ في زهوها لكنها لم تزل حيّةً في الذاكرة، وما زلنا على تواصلٍ دائم، كأن الزمان لم يَفصل بيننا.

سقى الله أيّام زَمان بما فيها من أنسٍ وبهجة، وأطال الله عمره على الطاعة، وبارك له في صحته وعافيته.

اللهم في يوم الجمعة المبارك، يوم الخير والرحمة، يومٍ فيه ساعة لا يُردّ فيها سائل، أسألك يا الله أن تجعل لي ولأهلي وأحبابي من الخير أوفره، ومن الرحمة أوسعها، ومن المغفرة أعظمها.

اللهم اجعل لأخي سعيد وخالي سعد الله بن صالح (أبو محمد) شفاءً عاجلًا لا يغادر سقمًا، وطمأنينةً تسكن قلوبهم، وعافيةً تامةً في أبدانهم، واجعل ما أصابهم رفعةً في الدرجات وكفارةً للذنوب، وارزقهم صبرًا ويقينًا، وألبسهم ثوب الصحة والعافية عاجلًا غير آجل، يا أرحم الراحمين.

اللهم ارحم والديّ رحمةً واسعة، واجعل قبريهما روضةً من رياض الجنة، ونوِّر مضاجعهما، ووسّع مدخلهما، واغفر ذنوبهما، واجعل البركة في آثارهما وذريتهما.

اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وكن لهم عونًا ومعينًا، واغفر لموتانا وموتى المسلمين جميعًا.

اللهم اجعلني عبدًا شاكرًا لنعمك، صابرًا على قضائك، راضيًا بقدرك، واملأ أيامي نورًا وطمأنينة، وبارك لي في رزقي وعمري وأهلي وأحبابي.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تحية لكل من يسعى لإحياء الذكريات ويُتعب نفسه من أجلها، ومن بينهم ابن الخال أحمد بن جمعان آل دخيل الله (أبو باسل)، الرجل الذي لم يكتفِ بأن يكون متابعًا عابرًا لتراثنا، بل جعل من نفسه مرآةً صافية تعكس أصالة بلاد حوالة وعمقها التاريخي. لقد أمتعنا مرارًا بلقطاتٍ ثمينة، ونسج من خلال حسابه في “تيك توك” أرشيفًا حيًا يزداد قيمة يومًا بعد يوم، حيث جمع بين حُسن الالتقاط، وصدق النيّة، وروح الانتماء.

لم يكن عمله مجرّد هواية عابرة، بل رسالة محبة وإخلاص، حملها بقلبٍ شغوف بالوفاء، فصار بمثابة الراوي الأمين لذاكرة المجتمع. ولذلك كسب محبة الجميع؛ إذ رأوا فيه الشاب الذي لا يكلّ ولا يملّ، والذي يُطلّ علينا كل ليلة بصُنع مفاجأةٍ جديدة تُدخل السرور وتُوقظ الحنين.

يا أبا باسل، استمر كما أنت؛ فأنت بحق مبدع وأصيل، جمعت بين الحاضر والتاريخ، وبين سحر المشهد وصدق الكلمة. وستظل إطلالاتك عطرًا يعيد إلينا عبق الماضي، ويُرسّخ في الأجيال القادمة قيمة الوفاء للأرض والناس والتراث.

أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا 🌸

 I wish you a blessed coming week 🌟

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …