مواضيع منوعة
الرئيسية / مختصر / طاقة مزعجة

طاقة مزعجة

نحن نعيش في عالمٍ محاصر بالطاقة؛ التلفزيون يعمل أربعًا وعشرين ساعة، والمكيف لا يتوقف، والجوال يضيء ككائن حي لا ينام إلا قليلًا، وكل جهاز في بيتك يدور داخل شبكة كهربائية هائلة. حتى جسدك – كما يقدّر العلماء – يولد طاقة تكفي لإضاءة مصباح ساعاتٍ متواصلة. ولو أنّ البصر أتيح له أن يخترق الجدران لرأيت الأسلاك كعروق حديدية تتسلق الجدران صعودًا وهبوطًا، حتى لتخيّلت أن البيت يهتز وسط زلزال كهربائي دائم.

ومع كل هذا، لم يكتف الإنسان، بل اتجه إلى البحث عن الطاقة المتجددة، وها هو يفكر بالنووي باعتباره وسيلة أسرع للتشغيل وأوسع للتوزيع. لكن أي ثمن؟ فهذه الطاقة قد تكون أفتك بأجسادنا من الكهرباء نفسها. الإنسان المعقّد في تكوينه، والمُعجز في تفاصيله، يتحول أمام قوة الذرة إلى كومة رماد في لحظة، بل إلى دخان أبيض قد يتبخر فلا يُدفن في قبر، وربما يُجمع في قارورة صغيرة ليُلقى في الفضاء حتى لا يلوث الأرض!

عاش أبناء آدم وحواء على بساطة عيشٍ بطيء الإيقاع؛ الشمس مصباحهم، والقمر دليلهم، والماء مورد حياتهم. لم يكن هناك جهاز يطحن أعصابهم بتردداته ولا ذبذبات تحاصرهم في كل مكان. لكن الإنسان – في سعيه نحو “التطور” – قفز من البطء الهادئ إلى سرعةٍ مدمرة. اخترع ما ينفعه، ثم اكتشف أنه قد يقتله. كأنما هو ينسج خيوط فنائه بيديه، حتى ليُخيَّل إلينا أن يوم القيامة سيقيمها الإنسان على نفسه، بضغطه على زر واحد يملك أن يُفني الأرض ومن عليها.

ومع هذا الخيال الممزوج بالواقع، يظل اليقين الراسخ أن الأمر كله لله، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم فلن يملك أن يتجاوز ما كتب الله له. ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾. قد يحاصرنا الزلزال الكهربائي، أو تخنقنا الذرة النووية، أو يفني الإنسان نفسه بضغط زر، ولكن النهاية بيد الله وحده.

هكذا يظل الإنسان، يتأرجح بين وهم القوة وحقيقة الضعف، بين غرور العلم وحقيقة القدر، وبين سرعة التقنية وبطء الرحيل.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

ومن المحبة ما ينشر

🌤️ ليس بالشِّعر وحده يُوجَب البدعُ والرّد، بل بالحروف التي تنبع من بين القلوب، وتغدو …