مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 5

يوميات عثمان 5

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

هذه اللقطة البديعة للشاب الرجل صالح بن علي بن صالح الجمعان حفظه الله، وقد ارتقى إلى أعالي بلاد حَوالة، واقفًا على أحد سفوح جبل أثرب الشامخ، ذلك الجبل الذي يقف كالحارس الأمين على وادي سِنان والشرف.

  ويبدو المشهد وكأنه لوحة ..  قمر ساطع في كبد السماء ..  ألقى بضوءه الفضي على قمة الجبل،  وطبيعة رُسمت بقدرته سبحانه بفرشاة المطر الذي اغتسلت به الأرض في نهارها، وأزدان الليل بنقائه وصفائه.

إنها لقطة تختزل في آنٍ واحد مهابة الجبال، ووقار الرجال، وبهاء الطبيعة، وتُدوّن لحظة من تلك اللحظات النادرة التي تصير ذكرى تُروى كما تُروى الحكايات القديمة في ربوع السراة.

أشعر بسعادة كبيرة كلما اكتشفت أن بين أقاربي وأحبتي من يملك موهبة جميلة يخفيها لسبب ما. في هذا الأسبوع، سعدت باكتشاف موهبة أخي وشقيقي إبراهيم في الشعر، وكذلك موهبة ابن العم علي بن سعد الله العثمان في الكتابة المثمرة، التي غذّاها بقراءاته المتعددة في الثقافة العالمية.

مثالان أفخر بهما وأفسح لهما المجال عبر مدونتي ليظهرا إبداعاتهما للناس. ولن أتوقف عند هذين المثالين، فأنا على يقين بأن بين الأقارب والأصدقاء من يملكون قدرات شعرية وأدبية وكتابية في مجالات متعددة، وما أطمح إليه أن تكون مدونتي ساحة رحبة يطلّ منها كل مبدع ومبدعة، ليكشفوا عن جمال ما يكتبونه ويصوغونه بعيدًا عن التردد أو الخوف. فالموهبة لا تزدهر إلا حين تجد من يقدّرها ويمنحها فرصة للنور.

إنني أؤمن أن التشجيع والاحتفاء بالمواهب خطوة أولى لبناء الثقة والانطلاق نحو آفاق أوسع من مجرد مساحة مدونة. ولهذا فإنني أفتح المجال لكل من يرغب أو ترغب في المشاركة، على أن يلتزم النص بالإبداع والفكرة الخلّاقة، بعيدًا عن الخصوصيات أو الدوائر الضيقة. وأرجو تفهّم أن النشر في المدونة يخضع لمعايير تضمن جودة المادة وصلاحيتها للقراء، فإذا لم يُقبل نص ما، فليس في الأمر تقليل من صاحبه، وإنما حرص على المستوى الذي نريده جميعًا.

مرحبًا بكل قلم مبدع/مبدعة وبكل فكرة مشرقة، وأهلاً وسهلاً بكم في هذا الفضاء الذي يحتفي بالموهبة ويتمنى لها انطلاقةً واسعة نحو الأفق.

يبدو أن وظيفة “رب الأسرة” لا تقتصر على دفع الفواتير أو إصلاح اللمبات، بل تمتد إلى مجال أعظم: إدارة سلاسل الإمداد العائلية. نعم، نحن مدراء توريد غير معترف بهم رسميًا، لكن لولا جهودنا لانقطعت الكهرباء الغذائية عن البيت، وتوقفت الحياة عند علبة شاي ناقصة.

في السنوات الأخيرة، وبعد تمكين المرأة، تغيرت بعض الأدوار. صارت المواد “الناعمة” مثل الكماليات والحاجات الخفيفة تحت إدارتها. أما أنا فقد احتفظت بمملكتي: “الهاردوير” — من التكييف إذا قرر يتقاعد مبكرًا، إلى السباك الذي يقسم أن كل المشاكل تبدأ من المواسير.

ومع هذا، بقي لي شيء من الهيبة عند المحلات. أبنائي يعرفون ذلك جيدًا، يكفي أن يقولوا في أي متجر: إحنا عيال أبوأحمد، لتتحول الخدمة فجأة إلى خمس نجوم. خصم إضافي، تبسّم العامل، وأحيانًا “هدية مجانية” صغيرة، فقط لأنني ما زلت أملك تلك الشعبية التي يقدّرها التجار وعمال الصيانة.

خذ مثالًا: “رضا” النيبالي. هذا الرجل ليس مجرد مساعد في السوبرماركت، بل صار أقرب لابن من أبناء العائلة. يحجز لنا الأغراض قبل أن تنفد، يسحب العربة بمهارة، ويرتّب المقاضي في السيارة كأنه يلعب “تيتريس”. أحيانًا يذكّرنا بما نسينا، كأنه الذاكرة الخارجية للبيت.

هؤلاء الناس الطيبون هم جزء من نسيج حياتنا اليومية. نحن نكرمهم بالاحترام، وهم يكرموننا بخدمة مليئة بالثقة.

بارك الله فيهم، وفي “المقاضي” التي تدير دورة حياتنا ..

وفي أعصابنا التي تبقى متماسكة كلما قالت الأسرة فجأة: “ما عندنا خبز!”

أصبح برنامج ساعة حوار على قناة العربية جزءاً ثابتاً من برنامجي اليومي. ما يميّزه بشكل خاص هو مهارة الإعلامية التونسية ريم بوقمره في إدارة النقاش؛ إذ تبهرني بحضورها اليومي وما يتطلّبه ذلك من جهد ووقت.

تتمتّع الأستاذة ريم بسلاسة في الحوار ووعي عميق بالقضايا المطروحة، كما تحرص على استحضار وجهة نظر الطرف الغائب عن الحوار، وهو ما يعكس اتساع أفقها ورقي طرحها. ويُحسب لها أيضاً رحابة صدرها في تقبّل الآراء المختلفة والتعامل معها باحترام.

أما الضيوف، فعلى الرغم من اختلاف توجهاتهم الفكرية والسياسية، فإنهم يظهرون بمستوى راقٍ، ويقدّمون رؤى متعمقة. أكثر ما يلفت الانتباه هو قدرتهم على اختصار أفكارهم بشكل مركز وواضح، مما يمنح البرنامج حيوية وجاذبية خاصة.

بفضل هذه العناصر مجتمعة، تحوّل “ساعة حوار” إلى موعد يومي لا يمكن تفويته، لأنه يقدّم للمشاهد نقاشاً ثرياً وممتعاً يستحق المتابعة. ( البرنامج يعرض الساعة الثامنة مساءاً).

أعيش هذه الأيام في حيرة مع مناعتي “الحساسة” التي أصبحت تُخيفني بعد وعكتي العام الماضي. صرت لا أخرج ولا أذهب إلى تجمعات أو أماكن مزدحمة إلا ومعي الكمامة. عادة أجدها بسهولة في الصيدلية القريبة، لكن هذا الأسبوع كانت المفاجأة: انقراض الكمامات من كل الفروع في الجبيل! حتى الطلب أون لاين صار بالكاد يعطيني كرتوناً بائساً لا يتجاوز الخمس قطع، بدل الأربعين التي كنت أشتريها من قبل.

اضطررت لإعادة استخدام الكمامة الواحدة مراراً، أو أفتّش في بقايا مخزون “عصر الكورونا” من القماشية التي تحتاج غسيلاً يومياً. مشهد يثير الشفقة!!

ثم جاءت اللحظة الفاصلة: “نون… وما أدراك ما نون”! المتجر الإلكتروني أنقذني؛ (وجدتها)، (طلبتها)، (وصلتني)… وبسعر أرخص بكثير. الصيدلية تبيع الكرتون بأربعين ريال، بينما من نون حصلت على ثلاثة كراتين بـ 75 ريال مع التوصيل.

أي مفارقة هذه؟ صيدليات تملأ الشوارع بمباني فخمة، لكنّها تبالغ في الأسعار بلا رحمة. والأسوأ من ذلك، يحاولون الاستفادة حتى من ضغطك ووزنك: جهاز عند الباب يقيسهما لك مقابل عشرين ريال! حتى أرقامي الحيوية تحولت إلى تجارة.

صدق من قال: “الصحة تهمّهم… لكن أرباحهم أهم!”

ولكم الله يا روّاد الصيدليات … صيدلي ياصيدلي.

من الطقوس الصغيرة التي أحبها صباحًا ( من وقت لآخر ) : المرور على بوفية افتتح حديثاً في مجمع بحي الفاروق الذي اسكنه.

 البوفية لا تفتح إلا في الصباح الباكر، وكأنها تقول: من لم يلحقنا مع شروق الشمس، فاته الخير!”.

طلبها الأشهر: الكبدة الأسترالية. هكذا يسمونها — مع أني لا أعرف ما إذا كانت أستراليا حقًا ترسلها إلينا خصيصًا! لكن لذيذة على كل حال. 

في يوم الخميس، يتحوّل المكان إلى خلية نحل: موظفو شركات الجبيل يتهافتون عليه، ليجهزوا فطورهم الجماعي الأسبوعي. كل خميس على واحد فقط، لكن كمية الطلبات تكفي لتشعر أنك في موسم!

أنا الآن متقاعد، ولست مضطرًا أن أشارك في زحمة “الموظفين”، ومع ذلك يضايقونني أحيانًا بكثرة الطلبات. عادة أختار الساعة التاسعة صباحًا، بعد أن يهدأ الطابور، وأدخل بهدوء كخبير يعرف “الوقت الذهبي” للبوفية.

ولأن التجربة لا تكتمل إلا بالمشروب، فإن أجمل ما يقدمه المكان هو شاي الكرك. آخذ الكوب “سفري”، ومنه إلى حديقة “الدفي”. هناك، أجلس على مقعد خشبي، وأرتشف الكرك الساخن حتى لو كان الجو حارًا .. في تلك اللحظة، يصبح الجو جزءًا من النكهة.

صدقًا؟ هذه البوفية أفضل عندي من “دانكن دوناتس” بكل فروعه، وسعر وجبتي لا يوازي ثمن دونات واحدة عندهم. لكن الفرق أن هنا تجد المتعة، وهناك تجد السكر فقط.

في هذا اليوم المبارك، يوم الجمعة، أرفع يديّ إلى السماء وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرحم حال أخي وشقيقي سعيد، وأن يلطف بجسده الضعيف في مرضه الصعيب، وأن يجعل ما أصابه كفّارة ورفعة في الدرجات.

اللهم اشفه شفاءً لا يغادر سقماً، وأبدله بالصبر أجراً، وبالعافية تمام نعمتك، واجعل كل ألم يمر به ميزاناً لذاته يوم يلقاك، واغمر قلبه بالسكينة والطمأنينة، فهو عبدك الضعيف لا حول له ولا قوة إلا بك.

اللهم اجعل مرضه رفعة في الدنيا والآخرة، واجعل خاتمته إلى خير، وبلّغه جنّة النعيم حيث لا وجع ولا أنين، واجمعنا وإياه في مستقر رحمتك مع الأنبياء والصالحين.

هذه صورة له من أيام مضت في بلاد حوالة مع ابن العم العزيز والحبيب عثمان بن سعد الله، تبقى ذكرى ووقفة، وأحب أن أضعها بين أيديكم لتكون تذكرة بالدعاء له؛ فالدعاء سلاح المؤمن، وربّ رحيم بعباده، لا يردّ قلباً توجّه إليه.

في صباح الجبيل، أمشي مرتاح البال أتنفّس هواءً نديّاً بلا ضوضاء.

الصبح يمنحني أنفاسه الأولى، ويغسل القلب بصفاء يشبه رونق الندى على زجاج الروح.

وعلى شاطيء الفناتير، يكون المشي طقساً من بهجةٍ ورضا، وبدايةً ليومٍ يفيض بالحيوية.

هناك، حيث البحر ساكنٌ كالحلم، والطيور تحلّق حولي … تأخذني الخطى إلى رحاب الموج، فأجد السكينة تصافحني من عمق الخليج الهادئ.

 أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا 🌸

 I wish you a blessed coming week 🌟

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …