
كتب : علي بن سعد الله العثمان
هناك شخصيات في هذه الحياة تذكّرنا بشخصية (زوربا اليوناني) التي جسّدها الكاتب نيكوس كازانتزاكيس في روايته الشهيرة “زوربا”. هذه الشخصية وإن كانت نابعة من خيال الكاتب، إلا أنها تستند إلى ملامح من الواقع، ولهذا نجد في حياتنا اليومية من الأقارب والأصدقاء والأحباب من يشابهها في سلوكه وأفعاله وأقواله. إنهم أولئك البسطاء الذين يتناغمون مع الحياة بجمالها وبساطتها، ويزرعون الفرح في القلوب بابتسامتهم وحضورهم، حتى أنهم يواجهون الحزن والوجع بأسلوب مختلف، يخففون وطأته بالرقص والمرح وكأنهم يقولون للآلام: لن تنالوا من عزيمتنا شيئًا.
زوربا، كما صوّره الكاتب، كان فلاحًا يعمل في الأرض والمناجم، يعيش اللحظة بكل تفاصيلها، يتواصل مع الأرض والنبات بصفاء وإحساس حيّ، ينظر إلى الوجود من زاوية أوسع وأرحب، كأنّه يسمع صوت الكون في داخله. ومن أقواله: “عشاللحظةواتركالباقيللقدر”، وهي حكمة تختزل فلسفة عميقة في التكيف مع ما يأتي به الدهر، فلا انغماس مفرط في الماضي ولا قلق مسرف على المستقبل.
زوربا يعلّمنا كيف نتصالح مع الألم، وكيف نحتوي صعوبات الحياة بابتسامة صافية ورقصة خفيفة، إذ كان يقول: “أنامثلالحصان،طالماأنهيتحركلايشعربالألم”. حتى في أشد لحظات حزنه عند فقد ابنه، أبى أن يسمح للموت أن يسرق منه بهجة الحياة، فنهض يرقص وكأنه يعلن أن الفرح مقاومة في وجه الفناء.
غير أن ما نحتاج أن نتأمله بعمق أن متعة الحياة مهما سَمت، ولحظات الفرح مهما توالت، فهي ظلّ زائل وسحابة عابرة، لا تملأ فراغ الروح ولا تروي عطش القلب. فالموت حق لا يُدفع، والرحيل مصير لا يُؤجل، والإنسان مهما انغمس في بهجة الدنيا فلن يجد الطمأنينة إلا بالإيمان بخالقه والتسليم لأقداره.
إن الرقص يخفف عن الجسد، لكن الإيمان هو الذي يطمئن القلب. والسعادة الحقيقية ليست في الإفراط بالتمتع بزينة الحياة، بل في صلاح الأعمال، وصدق التوجّه إلى الله، وانتظار لقاءٍ نلقى فيه ربّنا بوجهٍ نقيّ وعملٍ مرضيّ. عندها فقط ندرك أن كل فرح في الدنيا لم يكن سوى مقدمةٍ لفرحٍ أبدي أعظم.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.