مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / ذكرى عمر في ساسرف

ذكرى عمر في ساسرف

حين أستعيد شريط الذكريات، أجد أن أحدَ وثلاثين عامًا أمضيتها في شركة مصفاة أرامكو السعودية – ساسرف لم تكن مجرد رقم في دفتر الأيام، بل حياة كاملة تفتحت بين أروقة العمل. كانت سنواتٍ امتلأت بالوجوه الطيبة والقلوب الصافية، رافقت فيها زملاء أصبحوا مع الأيام إخوة وأعزاء.

كنت مسؤولاً عن إدارة شؤون الموارد البشرية، وهناك عشت تفاصيل الناس كما لو كانت فصول رواية؛ موظفون من كل مناطق المملكة، إدارات شتى، وتخصصاتٍ لا تُحصى، لكن يجمعهم جميعًا هدف واحد: أن تمضي المصفاة في طريقها بثبات. تعلمت من كل واحدٍ درسًا، وشاركتهم همومهم وأفراحهم، تحملت نقدهم بقدر ما غمرتني محبتهم وسعة صدورهم. وحتى المدراء التنفيذيين من مختلف المستويات، كانوا جزءًا من رحلتي، يتركون بصمتهم في قلبي كما تركت فيهم بعضًا من أثري.

وحين جاء يوم التقاعد، شعرت أنني أودع مكانًا أحببته كما يُحب المرء بيته، وأصحابًا صاروا لي أهلًا. رضيت بما كتبه الله لي، وامتننت أن منحني من الصحة والعزم ما يعينني على أداء ما أُوكل إليّ من مهام وواجبات. وكنت أرى أن الرضا عن نفسي، مقرونًا برضا ربي، هو أعظم ما يمكن أن يبلغه الإنسان بعد رحلة عمل طويلة.

ما زلت أشتاق لتلك الأيام، لصوت المكاتب، لنقاشات الصباح، ولضحكاتٍ تتوزع في الزوايا. أشتاق لرفاقٍ نقشوا أسماءهم في قلبي قبل أن تُسجّل في دفاتر الحضور والانصراف. كانت أيامًا صافية، جمعتها المحبة، وبقيت محفورة في الذاكرة.

أحد عشر عامًا انقضت منذ تقاعدي وما زال عبير ساسرف وزملائي الأوفياء يملأ خيالي. تمضي الأيام وتبقى القلوب شاهدة على ودٍ لا يزول.

وأنا أكتب هذه السطور، لا أملك إلا أن أسأل الله حسن الختام، وأن يجعل ما مضى من جهدٍ وعرقٍ زادًا لنا يوم نلقاه، وأن يحفظ لكل من رافقني في تلك المسيرة خير الجزاء.

هنا بعض اللقطات التي تحفظ ملامح رحلتي في ساسرف، وجوهٌ وأماكن تحمل بين تفاصيلها حكايات عمرٍ مضى. صورٌ تختصر مشوارًا من العمل والوفاء والرفقة الطيبة.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …