بخلاف أنني أعرف ممثلي وممثلات التلفزيون والسينما والمسرح، وأتابع كثيرًا منهم بإعجاب، فإنني اكتشفت أن حولي في الحياة الواقعية عددًا أكبر بكثير من الممثلين… لكنهم لا يتقاضون أجورًا، ولا يحملون عضوية نقابة، ومع ذلك يؤدون أدوارهم بإتقان يثير الدهشة!
منهم بطل المسلسل الذي لا يغيب عن أي حدث، ومنهم صاحب الدور الثاني الذي يظهر في اللحظة المناسبة ليقول جملة واحدة ثم يختفي، ومنهم الشرير الذي يبالغ في تقطيب حاجبيه، والمحقق الذي يستجوبك عن أدق التفاصيل وكأنه يجمع الأدلة لقضية دولية، والكومبارس الذي يحضر كل المشاهد دون أن تعرف لماذا حضر أصلًا.
وعلى امتداد العمر شاهدت هؤلاء فوق مسرح الحياة. بعضهم أتقن الدور حتى صدّق نفسه، وبعضهم نسي الحوار فارتبك، وبعضهم ينسحب من المسرح بهدوء، وآخرون يصرّون على مواصلة العرض حتى بعد نزول الستار، بل إن منهم من يكتب السيناريو ويخرجه ويؤلف الموسيقى التصويرية أيضًا!
وأغلب الناس ليسوا أبطال خيرٍ مطلق ولا أشرارًا مطلقين؛ بل يحملون في شخصياتهم شيئًا من هذا وشيئًا من ذاك. تتبدل ملامحهم بتبدل المواقف، وتتغير نبرة أصواتهم حسب الجمهور، وكأنهم ينتقلون بين الأدوار بسرعة مدهشة.
أما نحن، فغالبًا لسنا مجرد متفرجين. نحن أيضًا نمثل أحيانًا دون أن نشعر؛ نجامل، ونتغاضى، ونخفي انزعاجنا، ونبتسم في الوقت المناسب، وربما نبالغ في الوقار أو في الحماس بحسب مقتضى المشهد. ولعل الآخرين يكتبون عنا الخاطرة نفسها ونحن لا ندري!
وهكذا تستمر الحياة، لا تخلو من مشاهد مضحكة، وأخرى مؤثرة، وثالثة تستحق أن تُحذف في غرفة المونتاج. وما دام العرض مستمرًا، فلا بأس بشيء من سعة الصدر، وقليل من التغافل، فليس كل مشهد يستحق الوقوف عنده.
وفي نهاية الحلقة، وبعد كل هذا الجدل، لا يبقى إلا أن نقول باللهجة البسيطة:
“المخرج عاوز كده!”
وسلامتكم.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.