نحسب أنفسنا ملائكة، ونختصر الشر كله في شيطانٍ واحد، كأن بين البشر لا يوجد من يتقن أفعاله ويلبسها ثوب الفضيلة!
نلعن الشيطان الغائب، ثم نفسح لوساوسه مكانًا واسعًا في أقوالنا وتصرفاتنا، ونرتكب الأخطاء بأيدينا، ثم نبحث عن غيرنا لنعلّق عليه الذنب.
نبدو ملائكة حين نكتب عن الزهد والتسامح وحسن الخلق، وحين ننقل المواعظ التي ترسم لنا صورة مثالية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتعارض الفضيلة مع مصالحنا، أو يُمسّ غرورنا، أو يُطلب منا أن نتنازل عن شيء نحبّه. عندها يتراجع الزهد، ويظهر الطمع، وتسقط الأقنعة التي زيّناها بعبارات الحكمة والتقوى.
لسنا ملائكة، ولن نكون؛ فالملائكة خلقٌ مطيع لله، أما الإنسان ففيه الخير والشر، والصدق والهوى، والضعف والأنانية. والمشكلة ليست في أن نخطئ، بل في أن نقدّس أنفسنا، ونبرّر أخطاءنا، ونحاسب الآخرين بميزان لا نرضى أن نوزن به.
ولو كان البشر كما يصفون أنفسهم، فلماذا تضجّ المحاكم بالخصومات؟ ولماذا ينتشر الظلم والفجور في الخصومة؟ ولماذا تُرتكب الأخطاء الأخلاقية خلف أبواب مغلقة، ثم يخرج أصحابها بثياب الوعّاظ والزاهدين؟
الشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يظهر؛ فقد تعلّم بعض البشر أن يقوموا بدوره، ثم يكتبوا عن الطهر بأقلامٍ ملائكية. والزهد الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان، كما أن الأخلاق لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نفعله حين تتعارض مصالحنا مع الحق.
فمن لا يعرف الطريق إلى السلام داخل بيته ونفسه، لا يحق له أن يتحدث وكأنه الدليل الوحيد إلى الصراط المستقيم.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.