لم أعرف الأخ العزيز علي بن قذّان معرفةً منذ نشأته، بحكم أنني ولد المدينة، وهو ولد القرية؛ غير أنني تعرّفت عليه عند مخراجي الأول في حياتي عام 1974م إلى بلاد الآباء والأجداد، بلاد حوالة، تلك الديار الوادعة على سفح جبل أثرب الشامخ.
في الدار القديمة، دار سنان، وجدت نفسي بين أعمامي وعمّاتي رحمهم الله جميعاً، في بيوتهم المبنية من الحجر واللَّبِن وأخشاب العتم الجبلية، في العلو، والعلّية، والحارة؛ حيث كانت الحياة بسيطة في مظهرها، عميقة في معناها. كانوا يجتمعون مع حيواناتهم التي يستقون منها الحليب، ويسكنونها في داخل مواضع قريبة من منامهم ومعاشهم. وفي الصباح يذهبون معاً إلى الوادي، ثم يعودون معاً بعد وقت الفلاحة وسقي الزرع وجلب الماء من الآبار التي يتقاسمونها مع شركاء الوادي من الأقارب.
كانت القرية عالماً متكاملاً؛ جيران الدار، وجيران الطين، وجيران الوادي. حتى الجبل كان مقسّماً إلى نواحٍ، لكلٍّ مكسره الذي يكسر منه الحجارة للبناء، وله نصيبه من شجر العرعر للتسقيف وحماية البيت. كانت الحياة قاسية، لكنها منظمة بالفطرة، قائمة على المشاركة، والصبر، والرضا، ومعرفة كل إنسان بحدوده وحقوقه وواجباته.
كان الرجل الكريم علي بن قذّان يعيش في أعلى جبل أثرب، في بيوت آبائه، ونشأ هناك يجري بين السفوح وفي أعاليها؛ يرتقي الصخور، ويعرف طريقه إلى أعلى قمة في الجبل، تلك القمة التي كانت تُسمى آنذاك “الولي”، وكانت مزاراً يطلب الناس عنده الرزق وخير المطر، اعتقاداً منهم أنه مكان محاب لقربه من السماء وعلوه.
كان علي بن قذان يرتقي كل صباح صخرةً من صخور الجبل، وينظر إلى الأسفل حيث وادي سنان، فيرى القرية بكل تفاصيلها؛ يرى البيوت المتلاصقة، وإسبال الطرق القصيرة بين حارة وحارة، ويرى حركة الناس في يومهم، وهمومهم في الماء والشرب، وصعوبة الحصول عليه في ظل تغيّر المواسم بين جدب ومطر، وبين امتلاء الآبار حيناً، وعجزها أحياناً عن النبض بقطرة ماء.
عرف بن قذّان معنى الإشراب وتقنينه بين شرب الناس وسقية الزرع. وكانت آبار الجبل العليا، لقلة استهلاكها، أكثر كفايةً ودواماً، وكانت بئره نابضة كأنها على مجرى خير يشابه بئر زمزم، فجرى فيها الخير له ولأسرته ولمن حوله.
ومن صفاء معتقده، ونقاء نيته، فكّر في سقاية تشبه في معناها سقاية قريش لأهلها وللبيت المعظّم؛ فشرع في عمل السقاية لدار سنان من ذلك البئر، وكان مشروعاً عظيماً في وقته، لا يدرك قدره إلا من عرف مشقة الماء في تلك الأيام. مدّ المواسير من أعلى الجبل حيث بئره، وأوصل الماء العذب للشرب ولحوائج الناس، وعمل شبكةً بجهده وصناعة يده وإشرافه. أوصل الماء إلى كل بيت، ثم تمدد هذا الخير ليشمل باقي نواحي بلاد حوالة قدر المستطاع.
تلقى المؤمن بقدرة الله علي بن قذّان دعوات الناس بأن يجزيه الله خير الجزاء على عمله الجبار. وبعد السنين امتد الماء، وبنفس التقنية، إلى المساكن التي بُنيت في السنوات التالية، حين توسعت دار سنان حتى سفوح الصفي وأعالي جبل أثرب. وبفضل الله سبحانه، ثم بفضل جهده وإخلاصه، تمكن كثير من الناس من بناء مساكن جديدة خارج الدار القديمة. كان رمز الاستهلاك بسيطاً عند الناس، وكانوا قادرين على دفع ما يلزم رغم تكاليفه الباهظة بالنسبة له، غير أن الرجل كان يطلب الأجر والثواب قبل كل شيء.
رأيت بنفسي كل هذا في شخصية علي بن قذّان، وأنا شاهد على ذلك العصر. كنت أرى حب الناس لذلك الرجل النحيل، القوي العزيمة، وكنت أسمع دعواتهم له بكل خير. وكنت أزوره في منزله الواقع في أعلى الجبل، وكان كل شيء هناك يدل على قوة وصبر وكرم وشهامة. وحين أراه مبتهجاً، يدخن سيجارته الشهيرة التي لا تكاد تفارق أصابعه، كنت أشعر أنها جزء من مزاجه وعادته، تشد من عزيمته، وتمنحه شيئاً من صبره وهو يرقى في عمله وحياته.
علي بن قذّان جزء أساسي في تطوير هذه الديار، في عصر كان يعز فيه أن تنتج وتبادر وسط الصعوبات التنموية وقلة الإمكانات. لكنه كان إنساناً يتقد شجاعةً منذ صغره وحتى كبره. لذلك فإن تكريمه واجب علينا جميعاً، نحن أبناء حوالة؛ لأنه أسعد آباءنا وأمهاتنا، وخفف عنهم مشقة الماء، وفتح أمامهم باباً من أبواب الاستقرار والبناء.
ومن غير اللائق ألا نساهم في تعزيز حضوره وتكريمه، وفاءً لما فعله دائماً في سند كل ما هو في مصلحة بلاد حوالة، وآخر ذلك مشاركته غير المشروطة في محاولة تسهيل عقبة حوالة؛ فقد كان نعم المعين رغم الصعوبات، ونعم المساند لجماعته مهما كانت النتائج.
يبقى علي بن قذّان رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن هذه القبيلة العظيمة برجالها ونسائها. إنه ليس مجرد رجلٍ مرّ في ذاكرة تلك الديار، بل شاهدٌ من شواهدها، وعلامةٌ من علامات التحول فيها، واسمٌ يستحق أن يُحفظ في صفحات الوفاء.
علي بن قذاّن أيقونة حوالية محفوظة في ذاكرتنا وفي صفحات تاريخنا.
والسلام على من إتبع الهدى.




مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.